
بركات – نبض الساعة
في قلبِ السودان، حيثُ تتعانقُ ضفافُ النيل الأزرق مع سواعد المزارعين، ينهضُ “مشروع الجزيرة” من بين ركام التحديات ليؤكد أنه ليس مجرد مساحةٍ زراعية، بل هو نبضُ البلاد ورئتها التي تتنفس منها الأمن الغذائي. وسط الظروف الاستثنائية التي تعصف بالبلاد، يتحول المشروع اليوم إلى ساحةٍ كبرى لـ “معركة الإنتاج”، حيثُ تمتزجُ الإرادة الوطنية بالتخطيط الاستراتيجي لاستعادة أمجاد “الجزيرة” التي لم تنحنِ يوماً للريح.
مرحلة التعافي وزمام المبادرة
يؤكد والي ولاية الجزيرة، الطاهر إبراهيم الخير، أن الولاية تخطو بثبات نحو مرحلة التعافي، واضعاً خطة ثلاثية السنوات تهدف إلى التأسيس للانطلاقة الكبرى. وفي حديثٍ يعكس الثقة، أشار الوالي إلى أن الأمن الغذائي ليس مجرد شعار، بل هو واقع يُبنى عبر مساحاتٍ شاسعة تتجاوز المليون و751 ألف فدان للزراعة المطرية، موازية لنهضةٍ موازية في القطاع الصحي الذي استعاد فيه 106 مستشفيات و850 مركزاً صحياً عافيتها، لتكون سنداً للمواطن في معركته اليومية.
لا مكان للتلكؤ
من جانبه، يبدو المهندس إبراهيم مصطفى، محافظ مشروع الجزيرة، قائداً ميدانياً لا يعرف المهادنة. يقول بلهجة الواثق: “الظروف الاستثنائية لا تحتمل أي تلكؤ”، مؤكداً أن التنسيق المبكر للعروة الشتوية يسير بالتوازي مع ذروة الموسم الصيفي.
وكشف المحافظ عن واقعةٍ مأساوية تعكس حجم الاستهداف الذي تعرض له المشروع، إذ أشار إلى نهبِ “ميليشيات” لتقاوي مسمومة في منطقة الهلالية، حذر منها الإعلام مراراً. ورغم التحديات المتمثلة في توفير المدخلات، إلا أن ميزانية العروة الصيفية التي بلغت 48 تريليون جنيه (بالعملة القديمة) تمثل “إسناداً من الدولة” أعاد الروح لـ 95 كراكة تعمل الآن في تطهير القنوات، لتضمن انسياب المياه، التي وصفها المحافظ بأنها “شريان الحياة الذي لن ينقطع”.
إدارة الري: دمروا القنوات.. ونحن أعدنا الحياة
في ملف الري، يتحدث المهندس محمد عثمان العوض، مدير إدارة الري، بلغةِ المهندس الذي يرمم ما أفسدته الحرب. كشف العوض عن ملحمةِ تطهيرٍ شملت 2.5 مليون متر مكعب من الترع والمصارف، معتبراً أن استعادة 14 قنطرة كبرى من براثن التخريب هي انتصارٌ فني بامتياز.
وبنبرةٍ تجمع بين الفخر والواقعية، نفى العوض الشائعات حول “تلوث المياه”، مؤكداً أن الفحوصات العلمية في الميدان تنسف هذه الأقاويل. وتطلع العوض إلى المستقبل بخططٍ طموحة تشمل “كهربة الري” في مناطق “البرياب” و”الحرقة”، معلناً عن مضخات نمساوية عالية الجودة ستدخل الخدمة قريباً، لتنقل المشروع من عصر الديزل إلى عصر التحديث التكنولوجي.
شركاء في التحدي
لم تكن الإدارة وحدها في الميدان؛ إذ شكلت شركة “أمطار” والبحوث الزراعية حلفاً استراتيجياً لتعزيز الإنتاجية، حيثُ نجحت الحقول الإيضاحية في “طابت” في تقديم نماذج واعدة لأصناف “ود أحمد” و”طابت”، بما يمهد الطريق لسد الفجوة في التقاوي.
معركةٌ تُربح في الحقول
بينما ينسابُ الماءُ في قنوات مشروع الجزيرة ليغذي أكثر من 450 ألف فدان من الذرة، وتتجه الأنظار نحو إعادة “القطن” إلى عرشه بمساحاتٍ تصل إلى 400 ألف فدان، يظلُ الرسالة الميدانية واضحة: المشروع عاد إلى “حضن الدولة” وإلى مساره الصحيح. إنها “معركة الإنتاج” التي يخوضها المزارعون والمسؤولون في الجزيرة، ليس فقط لتوفير الغذاء، بل لإثبات أن السودان – بفضل إرادة أبنائه – قادرٌ على النهوض من تحت الركام، أقوى مما كان، وأكثر إصراراً على البقاء.