
الخرطوم- نبض الساعة
تتجه الأنظار مجددًا إلى خط جدة – سواكن، ليس فقط بسبب تأجيل أو إلغاء بعض الرحلات، وإنما بسبب سؤال أصبح أكثر إلحاحًا مع توالي التطورات: هل مُنحت الأولوية خلال المواسم الماضية للناقلين الأكثر جاهزية فعلًا؟
فبين تعثر رحلات، وأعطال فنية، ومنع سفن من تحميل الركاب، وصولًا إلى تعليق جدول سفينة أخرى رسميًا لعدم اكتمال جاهزيتها، تعود إلى الواجهة القرارات التي أبعدت شركات وسفنًا جاهزة من المشهد، في مقابل منح الأولوية لخيارات اختُبرت لاحقًا على أرض الواقع ولم تتمكن من المحافظة على انتظام تشغيلها.
من الحج إلى العمرة.. الاختبار يتكرر
بدأت ملامح الأزمة بصورة واضحة خلال موسم الحج، عندما كان خط جدة – سواكن أمام اختبار كبير لتأمين حركة الحجاج وعودتهم، وسط حاجة فعلية إلى سفن جاهزة وناقلين قادرين على التعامل مع ضغط الموسم.
وفي تلك الفترة، أثيرت تساؤلات حول تضييق مساحة مشاركة بعض الشركات التي كانت تمتلك سفنًا جاهزة وخبرة تشغيلية على الخط، مقابل إعطاء الأولوية لناقلين وخيارات تشغيلية أخرى.
واليوم، وبعد مرور تلك التجربة، تبدو إعادة طرح هذه التساؤلات مشروعة في ضوء ما حدث لاحقًا.
«جودي إكسبريس».. التعثر ينتقل من الحجاج إلى المعتمرين
الباخرة «جودي إكسبريس»، التابعة لشركة نما البحرية وتشغيل شركة الجودي، كانت إحدى السفن التي دخلت اختبار التشغيل الفعلي.
وبعد تعثرها في تنفيذ عودة الحجاج، عاد اسم السفينة إلى الواجهة مع موسم العمرة، وسط أعطال فنية متتالية أثرت على انتظام رحلاتها.
وتصاعدت الأزمة مع منعها من تحميل الركاب من جدة من قِبل التفتيش البحري، ثم امتدت التداعيات إلى سواكن مع إلغاء رحلة أخرى، ليجد الركاب والمعتمرون أنفسهم مرة أخرى أمام ترتيبات سفر لم تكتمل كما كان مقررًا.
وهنا لم يعد الأمر متعلقًا بعطل منفرد أو رحلة استثنائية، وإنما أصبح يطرح سؤالًا حول السجل التشغيلي والجاهزية الفعلية وقدرة السفينة على الاستمرار في نقل الركاب بانتظام.
تاركو تخاطب ميناء جدة رسميًا: «الجابرة» غير مكتملة الجاهزية
وفي تطور آخر، جاءت هذه المرة إفادة رسمية من شركة تاركو البحرية نفسها.
ففي خطاب مؤرخ 6 سبتمبر 2026 وموجه إلى المدير العام التنفيذي لميناء جدة الإسلامي، أفادت تاركو بأن استمرار أعمال الصيانة وعدم اكتمال جاهزية السفينة «الجابرة» في الوقت الراهن دفعها إلى تعليق جدول الرحلات المقرر للسفينة خلال شهر سبتمبر 2026.
وأكدت الشركة أن التعليق سيستمر إلى حين الانتهاء من أعمال الصيانة والتأكد من الجاهزية التشغيلية، على أن تخطر إدارة الميناء لاحقًا بالموعد المحدد لوصول السفينة واعتماد موعد التشغيل واستئناف الرحلات.
وبذلك، لم يعد سحب جدول تاركو مجرد معلومة متداولة أو تكهنات حول أسباب التوقف؛ بل أصبح أمام المسافرين خطاب رسمي من الناقل نفسه يربط تعليق الرحلات بعدم اكتمال جاهزية السفينة وأعمال الصيانة.
السؤال الأصعب: لماذا أُبعد الجاهز؟
هذه التطورات تعيد القضية إلى نقطة ربما تكون الأهم في الملف كله.
فإذا كانت شركات تمتلك سفنًا جاهزة وخبرة تشغيلية على خط جدة – سواكن قد أُبعدت أو تقلصت فرص مشاركتها، بينما مُنحت الأولوية لخيارات أخرى، فإن النتائج التي ظهرت لاحقًا تستوجب مراجعة تلك المرحلة ومعايير الاختيار التي حكمتها.
كيف تُبعد خيارات جاهزة، ثم تُمنح الأولوية لخيارات تكشف التجربة لاحقًا عن تعثرها أو عدم اكتمال جاهزيتها؟
السؤال هنا لا يتعلق بحق شركة بعينها في السوق بقدر ما يتعلق بحق المسافر نفسه.
لأن الاختيار غير الموفق للناقل لا تنتهي آثاره داخل المكاتب أو بين الشركات؛ فالراكب هو الذي يرتب سفره، ويدفع قيمة تذكرته، ويرتبط بمواعيد عمل وإقامة وعمرة والتزامات أسرية، ثم يتحمل النتيجة عندما لا تتحول الرحلة المعلنة إلى رحلة فعلية.
الجاهزية لا تثبتها الجداول
في النقل البحري، يستطيع الناقل إعلان جدول وفتح الحجوزات، لكن ذلك لا يمثل وحده دليلًا على الجاهزية.
الاختبار الحقيقي يأتي في يوم الرحلة: هل السفينة جاهزة؟ هل تستطيع الإبحار؟ هل تنفذ الموعد المعلن؟ وهل يمتلك الناقل القدرة والبدائل اللازمة للمحافظة على استمرارية التشغيل؟
وهنا تظهر أهمية وجود ناقلين يمتلكون أكثر من خيار تشغيلي، بحيث لا تتحول مشكلة سفينة واحدة إلى أزمة مسافرين كاملة.
ومن موسم الحج إلى موسم العمرة، ثم ما كشفه خطاب تاركو الأخير بشأن «الجابرة»، بات من المشروع أن يُطرح أمام الجهات المعنية سؤال واضح:
هل حان الوقت لإعادة تقييم معايير اختيار الناقلين وترتيب الأولويات على خط جدة – سواكن، بحيث تصبح الجاهزية الفعلية، والسلامة، والسجل التشغيلي، والقدرة المثبتة على تنفيذ الرحلات واستمراريتها هي الفيصل؟
المطلوب ليس إقصاء شركة لمصلحة أخرى، وإنما أن تكون المنافسة عادلة، والفرص متكافئة، والجاهزية هي المعيار.
لأن ما حدث خلال الفترة الماضية يثبت حقيقة بسيطة:
الجداول قد تمنح الناقل مكانًا على الورق… لكن المواعيد وحدها تكشف من كان جاهزًا فعلًا.