وسط صعوبة الاستيراد.. شح الوقود يفاقم معاناة سكان الخرطوم

 

متابعات- نبض الساعة

أضحت مشاهد صفوف المركبات الممتدة أمام محطات الوقود بالعاصمة السودانية، الخرطوم، مشهداً معتاداً.
منذ شهور طويلة والسودان يعاني في توفير المشتقات النفطية، ويتفاقم الأمر سوءاً مع ازدياد وتيرة عودة السودانيين من الدول المجاورة إلى مناطقهم بعد استقرار الأوضاع في معظم أنحاء البلاد.

ويواجه المواطنون في العاصمة السودانية الخرطوم صعوبات كبيرة في الحصول على المحروقات بسبب شح الوقود.

 

 

ولكن المعادلة العكسية تتمثل في أنه كلما زادت معدلات العودة كلما ساءت الخدمات، وفي مقدمتها توفير الوقود الذي يعد الأساس لكل الخدمات القائمة من نقل وترحيل وكهرباء وخدمات صحية.
و ما يفاقم مشكلة المشتقات النفطية ما تمارسه الحكومة نفسها تجاه مسألة استيراد الوقود والضبابية التي تتصرف بها حيالها؛ فتارة ترغب في ترك الأمر للقطاع الخاص، وأخرى تعيده إلى الاستيراد لصالح الحكومة، ومن ثم لا يمضي أسبوع حتى تخرج مصرحة بأنها ترغب بفك الاحتكار، الأمر الذي يوضح أن الحكومة لم تحسم خيارها ولم تحدد ما تود أن تفعله مع الملف الشائك.

بحسب الموجز الإحصائي للتجارة الخارجية لبنك السودان، فإن واردات المنتجات البترولية خلال النصف الأول من 2026 بلغت نحو 1.495 مليار دولار من إجمالي واردات بلغ 4.517 مليارات دولار، أي نحو 33% من إجمالي فاتورة الاستيراد. وداخل هذه الفاتورة بلغ الجازولين نحو 923 مليون دولار، والبنزين نحو 374 مليون دولار.
كل هذه المعطيات تفرض استفسارات تحتاج لتوضيح من حيث الخيارات المطلوبة لتوفير المشتقات النفطية المختلفة والعوائق التي تمنع ذلك، وحول فشل الموردين في توفير هذه المشتقات أم أن اللائمة تقع على وزارة الطاقة بعدم تحرير السلعة.

يقول الخبير الاقتصادي هيثم فتحي، إن تحرير أسعار الوقود في السودان تم بشكل كامل في يونيو 2021، على أن تتولى الشركات المستوردة للمشتقات النفطية تحديد السعر من حين لآخر.
وأضاف أن القرار صدر حينها بإلغاء تسعير الوقود بنوعيه (البنزين والجازولين)، وذلك في إطار ما سمته حكومة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك “سياسة الدولة الرامية لإصلاح الاقتصاد الوطني وتأسيس بنية تمكن مؤسسات الدولة والقطاع الخاص من التعامل مع مؤسسات التمويل الدولية”.

وأوضح فتحي في تصريح لــ”المحقق” أن عملية التسعير تخضع لتكلفة الاستيراد التي تشكل ما بين 71% و75% من سعر الوقود، يضاف إليها تكاليف النقل ورسوم الموانئ وضريبة القيمة المضافة وهامش ربح شركات التوزيع، وهي تكاليف تشكل مجتمعة ما بين 25% و29% من سعر البيع للمستهلك.

وأشار إلى أن القائمين على أمر الاقتصاد اتجهوا إلى أسهل وأسرع الحلول دون استشعار النتائج العكسية لقرارات رفع أسعار الوقود، لأن المتضرر الأكبر منها هم أصحاب الدخل المتدني، وهو ما يخلق حالة عدم استقرار في المجتمع، خصوصاً في ظل عدم القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة، إذ يولد رفع الأسعار ضغطاً نفسياً وحالة من اليأس والقهر على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وشدد على ضرورة تأجيل أي قرار جديد بتحرير أسعار الوقود مراعاة للبعد الاجتماعي وعدم تحميل المواطن مزيداً من الأعباء في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، “حتى وإن كان هناك مبرر اقتصادي يتمثل في نقص موارد الدولة وزيادة نفقاتها”، لافتاً إلى أن الحكومة كان عليها اتباع النهج التدريجي حتى يتمكن المواطن من التكيف، خاصة في ظل الظروف التي يعيشها الشعب السوداني.

كما طالب بزيادة الجهود المبذولة من الجهاز المصرفي بالتنسيق مع الوزارات والجهات المعنية لتدبير الموارد المالية اللازمة من النقد الأجنبي لتأمين الاحتياجات من المنتجات البترولية بطريقة سليمة وفعالة وشفافة ومحكومة بشكل دقيق، إلى جانب مواصلة السعي لجذب المزيد من الاستثمارات وتذليل العقبات التي تواجه المستثمرين المحليين والأجانب في قطاعات الطاقة والمحروقات.

واقترح بناء منظومة رقمية متكاملة تربط الجهات المعنية بقطاع المشتقات النفطية ضمن منصة موحدة، تشمل عمليات الإنتاج والاستيراد والنقل والتخزين والتوزيع ومحطات الوقود والتسوية المالية، بحيث تربط العمليات التشغيلية بالتدفقات المالية وتوفر رؤية موحدة للبيانات عبر مراحل سلسلة القيمة، مما يعزز التخطيط وصناعة القرار ويرفع مستوى الرقابة والشفافية.

بدوره يرى خبير في شؤون النفط -فضل حجب هويته- أن مسألة استيراد المشتقات النفطية ظلت تعاني من متلازمة الأزمة منذ وقت طويل.
وأوضح أن الفترة الاستثنائية الوحيدة التي لم تكن بها أزمات في تاريخ البلاد هي فترة إنتاج وتكرير النفط من العام 1999-2011.
وحدد أسباب أزمة توفير المواد النفطية بعوامل خارجية تتمثل في قفل الممرات المائية بسبب التداعيات السياسية كما حدث في قناة السويس في سبعينيات القرن الماضي، ولجوء البواخر إلى العبور عن طريق رأس الرجاء الصالح الأمر الذي عمل على زيادة تكلفة الشحن.
وأشار إلى أن ذات العامل الخارجي تكرر خلال هذا العام بعد إغلاق مضيق هرمز من قبل الإيرانيين وساهم في زيادة تكلفة الشحن والتأمين وزمن الوصول.

ونوه المصدر في حديثه مع “المحقق” إلى أن العوامل الداخلية التي ساهمت في تعميق أزمة الوقود بالبلاد وجعلها أكثر حدةً تتمثل في انعدام النقد الأجنبي مدفوعاً بقلة الصادرات على خلفية تعطل الإنتاج في أجزاء واسعة من البلاد، فتأثرت محاصيل الصادر كالسمسم والصمغ العربي بسبب الحروب والنزاعات ونزوح السكان.

وكشف الخبير النفطي أن الحل يكمن في تفاهمات ذات عقود طويلة الأجل مع دول أو شركات، لافتاً إلى أن هذه الخطوة تحتاج لضمانات ربما لا تستطيع الحكومة توفيرها في الوقت الراهن، الأمر الذي جعلها تلجأ للقطاع الخاص مما جعل الأمر يخضع لارتفاع أسعار الدولار وهذا يقود لعدم استقرار الأسعار.
وأشار إلى أن تذبذب الأسعار يشكل ضغطاً على الحكومة بتحرير أسعاره كاملة.
واعتبر أن عودة المؤسسة السودانية للنفط جزء من حل الأزمة؛ فهي تملك الخبرة في إدارة الأزمة، بل تمثل ذراعاً قانونياً يمنحها حق التصرف وإبرام العقود.

ويشير “المحقق” إلى أن بعض الأصوات في وسائل التواصل الاجتماعي، طالبت بالعودة إلى قرارات يونيو 2021 وخروج الدولة – مؤقتاً – من سوق المشتقات النفطية بالكامل، وتركه للقطاع الخاص وفق معايير عادلة وشفافة يتم الاتفاق عليها، ريثما تنهي الدولة تعاقداتها مع الشركات العالمية وتبدأ تلك الشركات في توريد المشتقات النفطية، – طبقا لموقع المحقق.

 

↑
Exit mobile version