تقارير

موسم الارتحال شمالا يثير الاحتكاك بين مزارعي ورعاة دارفور

 

متابعات- نبض الساعة

في شرق دارفور، يبدأ موسم التوتر عندما تتراجع الأمطار، وتنكمش المراعي، وتصبح المياه ومسارات القطعان حقولاً متجاورة للاحتكاك. هذا العام، دفعت ندرة الهطول وجفاف الغطاء النباتي رعاة إلى إطالة إقامتهم بماشيتهم قرب المناطق الزراعية، في مشهد يضغط على واحدة من أكثر منظومات التعايش توتراً في الإقليم.

فالترحال الرعوي في دارفور ليس حركة عشوائية بحثاً عن العشب، وإنما نظام اجتماعي واقتصادي متوارث، تحكمه معرفة دقيقة بالمواسم والآبار ومسارات الماشية ومناطق الزراعة، وتدعمه أعراف محلية لتنظيم المرور والوصول إلى الماء والمرعى. وتظهر أبحاث ميدانية من شرق دارفور أن إنتاج الثروة الحيوانية المتنقل ظل قادراً تاريخياً على التكيف مع تقلب الأمطار، لكن الضغوط المتزايدة على حرية الحركة تجعل هذا التكيف أكثر تقلباً. وفي المقابل، يعتمد المزارعون المطريون على نافذة زراعية قصيرة، مما يجعل أي اقتراب مبكر أو متأخر للقطعان من الحقول تهديداً مباشراً لمحصول قد يمثل غذاء الأسرة ودخلها معاً.

وتأتي هذه الضغوط في إقليم أنهكته الحرب والنزوح وتدهور الأمن الغذائي، إذ باتت المنافسة على الماء والأرض أكثر حساسية من أي وقت مضى. وتحذر خبرات العمل الإنساني في دارفور من أن النزاعات الموسمية بين الرعاة والمزارعين يمكن أن تتحول إلى مواجهات مسلحة عندما تتداخل مع ندرة الموارد وضعف آليات التسوية المحلية. لذلك، فإن ما يبدو خلافاً حول مسار قطيع أو حدود حقل قد يكون، في جوهره، إنذاراً مبكراً لأزمة مناخية ومعيشية واجتماعية أوسع، تتقاطع فوق أرض أنهكتها الحرب.

وفي مجتمع تقوم فيه الثروة الحيوانية والزراعة على تبادل المنافع، فإن تعطل الحركة الموسمية لا يهدد طرفاً واحداً، بل يضعف الأسواق ويزيد كلفة الغذاء، ويضيق مساحات الوساطة المحلية والسلم الأهلي.

عقود النزاعات

لم يبدأ العنف القبلي في غرب السودان مع حرب دارفور عام 2003، فقد سبقتها عقود من النزاعات المحلية على الأرض والماء ومسارات الماشية، كانت تدار تقليدياً عبر “الجودية” والديات ومجالس الزعماء، ثم أضعفتها حالات الجفاف والهجرة والسلاح وسياسات الإدارة الأهلية. وتكشف السجلات الأممية عن أن النزاع لم يكن دائماً عرباً ضد “زرقة” (أفارقة)، بل شمل صدامات داخل كل نمط معيشي، قبل أن تتخذ الهويات طابعاً إثنياً وسياسياً.

تبرز في حالة النزاعات بين الرعاة في ما بينهم سلسلة موثقة، شملت قبائل وإثنيات الرزيقات والبقارة والمعاليا في عام 1968، ثم الرزيقات والبقارة والدينكا في عام 1975، وهناك البني هلبة والزيادية والماهرية في عام 1976، ورزيقات الشمال (الأبالة) وغمير والبرقو في عامي 1976 و1978، والرزيقات الأبالة والترجم عام 2007، والرزيقات البقارة والحبانية عام 2006 ثم تجددت مواجهاتهما عام 2015، والمسيرية والرزيقات البقارة في دورات متكررة بين عامي 2008 و2012. وفي الفترة بين عامي 2013 و2017 تصاعد نزاع الرزيقات والمعاليا وسقط فيه مئات القتلى، بينما خلفت مواجهات سابقة بين الرزيقات الأبالة والزغاوة عامي 1996 و2017 نحو 200 قتيل.

أما بين المزارعين فالصورة أقل وضوحاً في السجل الكمي، إذ لم تسجل قاعدة بيانات النزاعات الجماعية للفترة بين عامي 1989 و2018 حالاً عنيفة بين جماعتين زراعيتين خالصتين، فقد كان التنافس الزراعي يتشابك سريعاً مع الرعي والحدود والحيازة. المثال الكاشف في دار المساليت عام 1999 بدأ باشتباك بين مزارعين مساليت ومسؤولين قبليين بعد دوس الماشية على المحاصيل، ثم تحول إلى مواجهة إثنية أوسع، وأحصت التسوية 292 قتيلاً من المساليت وسبعة عرب، وحرق نحو 2700 منزل. وفي عامي 1998 و1999 أحرقت أكثر من 125 قرية مساليتية ونزح آلاف السكان. ومع كل جولة، تتسع دوائر النزوح وتتآكل الثقة وتتعقد المصالحة.

تكشف هذه الوقائع عن أن النزاع الإثني كان غالباً نتيجة لمسار أطول من ندرة الموارد، وانهيار آليات الوساطة وعسكرة المجتمع، وإعادة تعريف الأرض بوصفها حقاً قبلياً. وحين تدخلت الدولة بالسلاح أو الانحياز، تحول الخلاف الموسمي على المرعى أو المحصول إلى ذاكرة جماعية للثأر.

خلاف موسمي

يمثل الجفاف في شرق دارفور، عاملاً يُعيد رسم الخريطة الرعوية ويضغط على علاقة قديمة وحساسة بين من يقتاتون من الأرض ومن يتنقلون وراء الماء والعشب. ففي موسم هذا العام، أدى ضعف الهطول وطول الانقطاع إلى تضرر حقول في منطقتي بحر العرب وأبو كارنكا، فيما تعثرت حركة القطعان نحو الشمال. وتقول إفادات ميدانية إن نجاح الموسم الزراعي قد لا يتجاوز ربع المساحات المزروعة، بعد فترات انحباس مطري بلغت نحو 35 يوماً في “الصبنة” الأولى و30 يوماً في الثانية. و”الصبنة” هي الفترة الزمنية التي ينقطع أو يتوقف فيها هطول المطر موقتاً في منتصف فصل الخريف، وهي من الفترات الحرجة التي يحسب لها المزارعون والرعاة ألف حساب، ولها تأثيرات مباشرة على النشاطين الزراعي والرعوي.

الرعاة القادمون من بحر العرب، في أقصى جنوب شرقي الولاية، وجدوا أنفسهم أمام مسارات مختلفة، جفاف المراعي الشمالية دفع القطعان إلى البقاء في الوسط والجنوب والغرب، بدلاً من إكمال “رحلة الشمال” السنوية، وهي دورة راسخة في اقتصاد الرحل وثقافتهم. وبدلاً من أن تتوزع الماشية على نطاق واسع، تركزت أعداد كبيرة في مناطق ياسين وعسلاية وعديلة وبحر العرب، إذ أصبحت الآبار والمراعي المحدودة نقاط ضغط.

تجاوزت المشكلة أزمة المياه، فقد تأخر فتح “المراحيل” والمسارات هذا العام، وهو ما حذَّر الرحل من أنه قد يحول الحاجة إلى احتكاك مع المزارعين. وفي المقابل، يخشى أصحاب الحقول أن يؤدي تكدس القطعان إلى دخولها الأراضي الزراعية أو استنزاف مصادر المياه التي يعتمدون عليها.

وهنا تكمن حساسية المشهد في دارفور، فالمراحيل ليست مجرد طرق للماشية، فهي أعراف محلية تنظم المرور والماء والمرعى وتخفف الاحتكاك بين المجتمعات. وعندما يختل المطر أو تتعطل الإدارة، تضيق مساحة التسوية قبل أن يبدأ النزاع.

ومع استمرار ضعف الأمطار، يحذر السكان من أن موسم الجفاف قد يضاعف خسائر الزراعة، ويرفع أسعار الغذاء، ويدفع الأسر إلى النزوح، بينما تتسع المنافسة على الموارد. لذلك تبدو الدعوة إلى فتح “المراحيل” وتنظيم الرعي وتوفير المياه عاجلة، كوسيلة لمنع خلاف موسمي من التحول إلى نزاع مجتمعي واسع.

عوامل مترابطة

تتداخل في ولايات دارفور، خصوصاً شرق دارفور التي تتشابه فيها أنماط الإنتاج والتوترات الأمنية، عوامل مترابطة تجعل الاحتكاك بين الرعاة والمزارعين قابلاً للتحول السريع إلى عنف مفتوح، إذ يتمثل العامل الأول في الضغط على الموارد ومسارات الحركة، إذ يؤدي تمدد الزراعة المطرية والمستوطنات بالتزامن مع تدهور المراعي وتقلب الأمطار إلى تضييق مسارات الرعي التقليدية وزيادة دخول القطعان إلى الحقول، بينما يرفع الجفاف وتراجع المياه التنافس على الآبار والحفائر ومصادر المياه.

ويتلخص العامل الثاني في تداخل حقوق الأرض والاستخدام، إذ يفاقم غياب حدود واضحة ومتوافق عليها بين الحيازات الزراعية ومسارات الرعي النزاعات حول الوصول والاستخدام، خصوصاً عندما تتعارض الأعراف المحلية مع الترتيبات الرسمية، أو تتغير أنماط الاستقرار نتيجة النزوح والعودة.

ويتجسد العامل الثالث في ضعف الحوكمة وفض النزاعات، مما يؤدي إلى بطء الاستجابة للشكاوى ومحدودية حضور الدولة وضعف المؤسسات المحلية وآليات الوساطة، وهو ما يسمح لخلافات محدودة حول محصول أو ماشية بأن تتسع قبل احتوائها، كذلك يضعف إنفاذ القرارات والمساءلة ويعزز الشعور بالإفلات من العقاب.

ويتجلى العامل الرابع في انتشار السلاح وتراجع الثقة، فقد يحوِّل توافر الأسلحة المشاجرات الفردية إلى اشتباكات أوسع، بينما يؤدي تراكم الاتهامات المتبادلة وغياب قنوات الاتصال المنتظمة إلى زيادة تأثير الإشاعات والتعبئة الأهلية، بما يرفع احتمالات سوء التقدير والانتقام.

أما العامل الخامس، المتمثل في الضغوط الاقتصادية والتسييس المحلي، فقد يدفع ارتفاع كلف المعيشة والنقل والأعلاف، وتراجع سبل كسب العيش، الأسر إلى الاعتماد بصورة أكبر على الموارد الطبيعية المتنازع عليها. وعندما يُعاد تأطير النزاع كونه صراعاً بين جماعات، يتحول الخلاف على الموارد إلى قضية هوية واصطفاف، فتضيق مساحة التسوية.

وتكمن الخطورة في تفاعل هذه العوامل معاً، فقد تجمع حادثة صغيرة في وقت واحد بين أزمة مياه وتعدٍ على محصول وسلاح متاح وشائعة متداولة وضعف في الاستجابة الرسمية، فيتحول الاحتكاك المحلي إلى دورة أوسع من العنف يصعب احتواؤها. ويزداد خطر التصعيد عندما تتزامن هذه الضغوط مع مواسم الزراعة والحصاد والترحال، فتتقلص البدائل السلمية ويصبح الاحتكاك أكثر تكراراً وقابلية للانتشار.

مسارات محتملة

لن يتحدد مصير الرعاة والمزارعين في شرق دارفور بعودة الهدوء وحده، بل بقدرة المنطقة على إعادة تنظيم العلاقة بين الأرض والماء والحركة، في بيئة غيرتها الحرب والنزوح وتراجع الأسواق. وتشير الاتجاهات إلى خمسة مسارات محتملة.

أولاً، قد تتجه الحركة الرعوية إلى انكماش وإعادة توجيه المسارات، مع تعطل الطرق التقليدية وارتفاع أخطار النهب والجبايات غير الرسمية. وهو ما يعني ضغطاً على المراعي ومصادر المياه، وزيادة الاحتكاك بالمناطق الزراعية.

ثانياً، ستصبح العودة والاستقرار سلاحاً ذا حدين، فعودة الأسر إلى القرى يمكن أن تُنعش الإنتاج وتخفف الاعتماد على المساعدات، لكنها قد تُعيد فتح نزاعات الملكية والحيازة، خصوصاً حيث تغيرت حدود الاستقرار أو استخدمت الأراضي خلال أعوام النزوح.

ثالثاً، يرجح أن تتسع أهمية الأسواق والماشية كوسيلة للبقاء، غير أن تضرر الطرق والأسواق، إلى جانب ضعف القدرة الشرائية، قد يدفع الأسر إلى بيع الأصول الحيوانية أو تقليص القطعان، بما يضعف قدرتها على التعافي ويزيد هشاشتها أمام الصدمات.

رابعاً، سيظل المناخ عاملاً مضاعفاً للمخاطر، فعدم انتظام الأمطار وتدهور المراعي سيجعلان المرونة الرعوية أكثر اعتماداً على حرية الحركة، وكلما أغلقت الحرب أو التوترات المحلية مساراً، انتقلت الضغوط إلى مسار آخر، بدلاً من اختفائها.

وخامساً، إحياء الترتيبات المحلية التي نظمت التعايش تاريخياً، بتحديد مسارات الرعي ومواعيد العبور، وحماية مصادر المياه، وتفعيل الوساطة والمجالس الأهلية، مع ضمانات رسمية للمساءلة. ولكن هذه التدابير لا تكفي إذا بقي السلاح خارج السيطرة أو تحولت الهوية إلى أداة تعبئة.

وإذا جرت إعادة تشكيل الاقتصاد، برعاة أقل حركة ومزارعين أكثر حذراً وأسر تجمع بين الزراعة والتجارة والعمل المتنقل، فيمكن أن يتحول التنافس إلى أساس لتكيف مشترك. أما إذا لم تنظم حرية الحركة والموارد وآليات التسوية، فقد تظل أوقات الزراعة والترحال نقاط اختبار للأمن المحلي، تقدح شرارة العنف في كل موسم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى