علماء المناخ يحذرون: العالم قد يشهد عواقب أكثر كارثية

متابعات- نبض الساعة
«مع ظهور المزيد من الأدلة على الآثار المدمرة والمتفاقمة للاحتباس الحراري، يشير علماء المناخ إلى أن العالم قد يشهد عواقب أكثر كارثية بكثير مما كان متوقعًا سابقًا إذا ارتفعت درجات الحرارة مقارنة بمستويات ما قبل الصناعة بمقدار درجتين مئويتين فقط. ومع إمكانية تجاوز الزيادات لهذا المستوى بكثير خلال هذا القرن، فإن هذه النتايج مثيرة للقلق الشديد، ولها آثار وخيمة على البشرية».
هذا ما قاله الفيزيائي البريطاني جون كلارك في مقالٍ نشر على موقع (counter fire)، قامت بترجمته جريدة «قاسيون».
تشير منظمة «إسناد الطقس العالم» Attribution Weather World إلى أنه من منتصف أبريل وحتى مايو الماضيين، شهدت الهند وباكستان درجات حرارة مرتفعة للغاية، بما في ذلك درجات حرارة يومية قصوى تجاوزت 46 درجة مئوية في العديد من مدن الهند. ونظرًا إلى أن هذه الظروف تؤثر على واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية على وجه الأرض، فهذا يعني تعرض مئات الملايين من الناس لظروف خطيرة.
وبحسب كلارك، فإن موجات الحر الشرسة في شبه القارة الهندية لم تعد نادرة، حيث يبلغ معدل تكرارها نحو 5 سنوات. بمعنى آخر، هناك احتمال بنسبة 20% في شهر أبريل لمواجهة درجات حرارة مماثلة لأكثر فترة استمرت 15 يومًا من الحرارة التي لوحظت في أبريل 2026. ففي عام 2022 فقط، كانت الحرارة التي شهدها هذا الربيع تعتبر استثنائية تمامًا.
وفي ضوء هذه التغيرات المناخية يزعم «أن تغير المناخ ضاعف تقريبًا احتمالية وقوع حدث مثل موجة الحر عام 2026». علاوة على ذلك، فيما يتعلق بالاتجاهات المستقبلية مع أرتفاع إضافي قدره 1,3 درجة مئوية، ستصبح مثل هذه الأحداث أكثر احتمالية بأكثر من الضعف مرة أخرى، وأكثر حرارة بمقدار 1,2 درجة مئوية.
وجدت دراسة لجامعة أكسفورد نُشرت في يناير الماضي أنه ما يقرب من نصف سكان العالم 3,79 مليار سيعيشون في حرارة شديدة إذا وصل العالم إلى 20 درجة مئوية من الاحترار العالمي فوق مستويات ما قبل الصناعة – وهو سيناريو يراه علماء المناخ مرجحًا بشكل متزايد. ستكون هذه الزيادة هائلة في التعرض لمثل هذه الظروف، حيث إن 23% فقط من السكان واجهوا حرارة شديدة في عام 2010.
وينقل لنا كلارك عن الدكتور خيسوس ليزانا، المؤلف الرئيسي للدراسة أن «الدراسة تظهر أن معظم التغيرات في الطلب على التبريد والتدفئة تحدث قبل الوصول إلى عتبة 1,5 درجة مئوية، الأمر الذي سيتطلب تدابير كبيرة يتم تنفيذها مبكرًا».
أفادت صحيفة «إندبندنت» عن بعض الأبحاث العلمية المقلقة التي أجرتها جامعة «ساوثهامبتون» حول ذوبان الجليد البحري في أنتاركتيكا، والذي «انخفض إلى مستويات غير مسبوقة». ووجد الباحثون أن «مساحات شاسعة من الجليد تعادل حجم جرينلاند قد ذابت». واستنتجوا أن «هذا الفقد الهائل للجليد البحري يزعزع استقرار أنظمة تيارات المحيطات في العالم، مما يؤدي إلى ارتفاع حرارة الكوكب بسرعة أكبر مما كان متوقعًا». ولعل أسوأ عنصر في هذه النتائج، هو الصورة القائمة للآثار المناخية المتتالية التي تظهر. يشير الباحثون إلى ثلاثة أحداث متميزة عطلت توازن المحيط الجنوبي، مما أدى إلى الذوبان السريع للجليد.
تشير بعض الأبحاث إلى أنه منذ عام 2013، بدأت الرياح متزايدة الشدة بسبب تغير المناخ… في جذب المياه الدافئة المالحة من أعماق المحيط إلى السطح. بعد ذلك، في عام 2015، مزجت الرياح شديدة الحرارة العميقة مباشرة في الطبقة السطحية، مما أدى إلى ذوبان الجليد البحري بسرعة.
و أخيرًا، منذ عام 2018، أصبح نظام الجليد والمحيط محاصرًا في دورة حيث – مع وجود جليد أقل ليذوب – يظل السطح مالحًا ودافئًا بحيث لا يمكن للجليد أن يتعافى.
وتعليقًا على ذلك، يقول كلارك: «توضح هذه العملية بوضوح شديد مدى تعقيد وتشابك وتداخل التأثيرات المناخية التي نواجهها. يخلق الاحتباس الحراري شبكة هائلة من السببية، حيث تصبح الآثار غير المتوقعة إلى حد كبير أسبابًا لمزيد من الاضطراب المناخي. من السهل رؤية السبب، على الرغم من أن الطبيعة العامة للاضطراب المناخي مفهومة منذ فترة طويلة، غالبًا ما تمت الاستهانة بسرعة وشدة الكارثة الكوكبية المتكشفة».
قبل نحو سبع سنوات، أشارت صحيفة «الجارديان» إلى أن العالم الأكثر دفئًا بأربع درجات هو للكوابيس، ومع ذلك فإن هذا هو المكان الذي نتجه إليه في غضون عقود فقط. في الوقت نفسه خلصت أيضًا إلى أنه من غير المحتمل جدًا أن نبقى دون درجتين مئويتين فوق مستوى ما قبل الصناعة بحلول نهاية القرن، ناهيك عن 1,5 درجة مئوية. وفي هذا الصدد يقول كلارك: «منذ كتابة هذا المقال لا تعزز إلا هذا الاستنتاج».
في هذا الوضع، يعتقد كلارك أن التوقعات التي تم وضعها فيما يتعلق بتأثيرات زيادة بمقدار درجتين مئويتين فقط فشلت في النظر في نطاق الاحتمالات بشكل كافٍ، مع استمرار عملية الاحترار.
في مارس، أشار مقال في «كاربون بريف» المنصة الإعلامية المتخصصة في أخبار المناخ والطاقة، إلى دراسة وجدت أن تحديد الاحترار إلى درجتين مئويتين فوق درجات حرارة ما قبل الصناعة قد لا يكون كافيًا لمنع النتائج المناخية العالمية المتطرفة. والأهم من ذلك، تم تحديد أن توقعات أسوأ الحالات في عالم أكثر دفئًا بمقدار درجتين مئويتين غالبًا ما تكون أكثر شدة من سيناريوهات «المتوسط» في عالم أكثر دفئًا بمقدار 3 أو 4 درجات مئوية.
حتى الآن، استخدم معظم الباحثين العلميين والهيئات الدولية المؤثرة، بما في ذلك الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) نهج «متوسط النماذج المتعددة الذي يقوم بموجبه «بتشغيل عمليات محاكاة باستخدام نماذج متعددة، ثم أخذ متوسط هذه النتائج».
ومع ذلك، وبحسب رأي كلارك، قد يولد مثل هذا النهج «صورة مضللة» تفشل في أخذ الاحتمالية في الاعتبار أن التغيرات التي قد تشهدها مناطق محددة يمكن أن تكون أعلى بكثير من المتوسط العالمي. علاوة على ذلك، بالنظر إلى مجموعة النتائج التي تشير باستمرار إلى التقليل المنتشر من شدة الآثار المناخية، فإننا ندفع إلى استنتاج مفاده أن أسوأ النتائج المناخية أكثر احتمالية بكثير مما كان مقدرًا سابقًا. الاستمرار في العمل بتوقعات متفائلة بشكل مفرط ضرب من الحماقة، ولا يمكن إلا أن يقوّض الاستعداد والتخطيط الفعالين.
إذا كان، كما يقول، أولئك الذين يدرسون ويعدون التوصيات بشأن تغير المناخ قد يقللون بشكل خطير من حجم وشدة الكارثة المتكشفة، فإن الحقيقة القاسية هي أن أولئك الذين يشغلون مناصب القوة الاقتصادية والسياسية يرسمون مسارًا كارثيًا يتجاهل ببساطة الأدلة المتاحة بسهولة.
إن إنكار دونالد ترامب لتغير المناخ معروف للغاية، فهو الذي وقف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، وكما ذكرت PBS، أعلن أن: «تغير المناخ هذا، هو أكبر عملية احتيال تم التلاعب بها على العالم في رأيي».
مما لا شك فيه، أن عرض ترامب للجهل المتعمد بشأن قضايا المناخ قد شجع رأسماليي الوقود الأحفوري على التخلي عن الادعاءات الخضراء وسلك مسار أكثر تهورًا وتدميرًا.
مع كل شهر يمر، تصبح الطبيعة المخيفة لأزمة المناخ أكثر وضوحًا وتظهر الأدلة أكثر إقناعًا على ذلك. لا يزال رأسماليو الوقود الأحفوري وممكنوهم السياسيون عنيدين ويواصلون، حرفيًا، صب الزيت على النار. لا يمكننا إلا أن نستنتج أن النضال من أجل العدالة المناخية يجب أن يشن بمنظور سياسي مناهض للرأسمالية.
ما ذكرناه يقودنا إلى ما أكدته الكاتبة الكندية نعومي كلاين في كتابها «هذا يغيّر كل شيء: المواجهة بين الرأسمالية والمناخ»، ترجمة محمد عثمان خليفة، أن المناخ ليس مجرد ملف شائك ينبغي لنا أن نخّصص له من الوقت ما نخّصصه لملفات مثل الضرائب والرعاية الصحية، وإنما جرس يدعونا لإصلاح النظام الاقتصادي القائم في العالم، والمستمر في خذلانا من نواحٍ كثيرة.
وترى كلاين أن السبيل الوحيد إلى جَسر فجوة التفاوت الاجتماعي والبيئي والاقتصادي، وإنقاذ ديمقراطياتنا المتداعية، وبث الحياة في الاقتصادات التي تحتضر، هو الحد من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري الذي يهدّد عالمنا.
وتشدّد وجهة نظرها على ضرورة تغيير الأولويات الاقتصادية والثقافية الفاسدة. في حين ترى أن عجز السوق عن إصلاح المناخ، يرجع إلى وجود رأسمالية عاتية بلا قيود.




