منوعات فنية

فى ذكرى رحيله الـ32.. (خوجلي عثمان) لحن الحنين الذي لا يغيب ..!

 

في ذاكرة الغناء السوداني، ثمة أصوات لا يمكن أن تُنسى، لأنها لم تكن مجرد حناجر تُغنّي، بل كانت قلوبًا تنبض بالشجن والصدق. ومن بين تلك الأصوات الخالدة، يظل اسم خوجلي عثمان حاضرًا كنسمة نيلية ندية، وكأن صوته خرج من ضفاف الحلفايا ليعانق وجدان الوطن بأسره.

البدايات من الحلفايا

وُلد الفنان خوجلي عثمان أحمد عام 1951 في وادي سوبا – المعروف اليوم بـ الوادي الأخضر – وكان الوحيد بين خمس أخوات، جاء كخاتمة مسكٍ لأسرةٍ محبة للحياة والبساطة والعمل.
انتقلت أسرته لاحقًا إلى منطقة الحلفايا بمدينة الخرطوم بحري، وهناك نشأ وترعرع.. درس الابتدائية في مدرسة الحلفايا القديمة، ثم توقف عن الدراسة لفترة عمل فيها فني معمل في القسم البيطري بشمبات.بعد ذلك، التحق خوجلي بـ كلية كمبوني ليدرس اللغة الإنجليزية، لكنه لم يُكمل، إذ شدّه نداء الفن والغناء الذي سيصبح قدره ومساره الأبدي.

بداية المشوار الفني

بدأ خوجلي مشواره الفني وهو في الخامسة عشرة من عمره، حين تعلّم عزف العود على يد الموسيقار سليمان زين العابدين. كان في بداياته يُقلّد أصوات الكبار مثل أحمد الجابري وعثمان الشفيع، ويؤدي أغنيات مثل الذكريات والملامة، قبل أن يجد أسلوبه الخاص ويصوغ الحانه بصوته الفريد.

وقد كان أول من اكتشفه وقدّمه للجمهور هو الدكتور محمد عبد الله الريح، الذي سمع صوته في حفلٍ أقيم له بحدائق شمبات، فأُعجب به وشجّعه على الظهور في التلفزيون، فكانت تلك انطلاقته الحقيقية نحو الشهرة.

صوت الدفء والصدق

دخل خوجلي عالم الغناء بخطى واثقة في نهاية السبعينيات، فكان ظهوره مختلفًا. لم يكن صاخباً ولا استعراضياً، بل كان يغني بهدوء العارفين وبساطة النبلاء. صوته الدافئ ولغته اللحنية العذبة جعلاه من أبرز رموز الأغنية الرومانسية الحديثة في السودان.

تعاون خوجلي مع عدد من كبار الشعراء والملحنين، منهم:
تاج السر عباس، حسن الزبير، التجاني حاج موسى، عزمى احمد خليل، الصادق إلياس، بشير عبد الرحمن، عبداللطيف خضر ود الحاوى وغيرهم، فكانت الحصيلة أغنيات خالدة عبر الأجيال.

من أشهر أغنياته

ما بنختلف
يعني كيفن ما بريدك
بحبك يا سودان
يا مشرقة
حبة حبة
يا روحي هاجري وفتشي
فرح الطفولة
أسمعنا مرة
الملامة
شوق السنة
يا غالية يا صبح الهنا
المستحيل
ماله لو صافيتنا مرة
أنت اتلومت فينا

كل أغنية من هذه كانت قصيدة إحساس، تحمل جمال اللحن وصدق الكلمة وحنان الصوت، حتى صار خوجلي رمزًا للفن النظيف الذي يجمع بين الرومانسية والوطنية والوجدان الإنساني الرفيع.

شخصيته الإنسانية

كان خوجلي عثمان هادئ الطبع، بسيطًا، محبًّا للناس. عرفه زملاؤه كفنانٍ متواضعٍ لا يطلب مقابلًا للمشاركة في الأعمال الخيرية، يرى في الفن وسيلةً لخدمة الإنسان لا للمكسب.
كان أبًا لستة أبناء، لم يتجه أيٌّ منهم إلى الغناء، لكنه أورثهم محبة الناس وذكرى طيبة أينما ذُكر اسمه.

الرحيل المفجع

في مساء الخميس 10 نوفمبر 1994، وبين جدران نادي الفنانين بأم درمان، توقّف اللحن فجأة.
دخل رجل غريب إلى النادي وطعن خوجلي عثمان بسكين أمام زملائه، في مشهد مأساوي لا يُنسى.
رحل الفنان في لحظة عبثية، قُتل بلا سببٍ ظاهر، وكأن يدًا مجنونة أرادت أن تُطفئ نورًا لا يُطفأ.

أحدثت الحادثة صدمة كبرى في الوسط الفني والشعبي، إذ رحل خوجلي وهو في قمة عطائه، فبكته القلوب قبل الأعين، وبقيت أغنياته تُعيد حضوره في كل بيتٍ وذكرى.

إرث لا يزول

رغم مرور السنين، ما زالت أغنيات خوجلي عثمان تُبثّ في الإذاعات وتُغنّى في الحفلات، كأن صوته يأبى الرحيل.
يقول محبّوه:

> “خوجلي لم يمت، صوته باقٍ في الذاكرة، كالنهر الذي يمرّ كل صباح ليوقظ فينا الأمل.”

لقد ترك خوجلي عثمان إرثاً فنياً خالداً، يمثل أنقى ما في الأغنية السودانية من صدقٍ وبساطةٍ ووجدانٍ إنساني، لذلك لم يكن غريباً أن يلقّبه الناس بـ:
> “لحن الحنين الذي لا يغيب.”
الصورة وشخصي الي جوار الراحل المقيم بالاكورديون في زكري عزيزة علي نفسي بحفل في الكويت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى