شدّة انتباه العالم.. “الابيّض” مدينة تحت النار والعطش

خاص- نبض الساعة
في مدينة “الأبيض”، حاضرة شمال كردفان، لم يعد الصراع حول خريطة السيطرة العسكرية، بل تحول إلى سباقٍ محموم مع الزمن من أجل البقاء.
فالمدينة التي كانت يوماً عصب الحركة في الإقليم، باتت اليوم ترزح تحت حصارٍ مزدوج؛ مسيراتٌ تحكم قبضتها من السماء، وسياسات تضييقٍ خانقةٍ على الأرض، لتتحول المدينة ببطءٍ شديد إلى منطقةٍ “غير قابلة للحياة”.
منذ خمسة أيام، والمدينة غارقة في ظلامٍ شامل؛ إذ لم يكن استهداف المحطة التحويلية للكهرباء مجرد ضربةٍ في سياق الحرب، بل كان إعداماً لمقومات الحياة الأساسية. هذا الانهيار الخدمي دفع بأسعار الوقود إلى أرقامٍ قياسية، حيث لامس سعر جالون البنزين عتبة الـ 180 ألف جنيه في سوقٍ سوداء نشطت على أنقاض محطات الوقود المدمرة، ليشل هذا الغلاء حركة التنقل تماماً، ويجبر السكان على العودة إلى “عصر الدواب” بحثاً عن أدنى متطلبات المعيشة.
مأساة من نوع آخر
خلف أبواب المنازل، تتكشف مأساةٌ من نوعٍ آخر؛ فـ “الجركانة” التي كانت في السابق تفصيلاً ثانوياً، أصبحت اليوم هدفاً يومياً يقتضي المخاطرة بالحياة لانتزاعه. وفي طوابير المياه التي لا تنتهي، يصف المواطنون واقعهم بـ “البقاء للأقوى”، حيث تُباع قطرة الماء بأسعارٍ تفوق قدرة العائلات التي فقدت مصادر دخلها تماماً، في مشهدٍ يعكس “هيكلةً جديدةً للحياة” تتبدد فيها الكرامة أمام الحاجة الملحة.
شللٍ تام في كافة الخدمات
وعن تفاصيل هذا الواقع، يقول الناشط في العمل العام، صهيب محمد عيسى، في حديثه لـ (نبض الساعة)، إن الوضع يمكن تقسيمه إلى ثلاثة مسارات متوازية: المسار العسكري والأمني، والمسار الخدمي، والمسار الإنساني. فمن الناحية العسكرية، يرى عيسى أن الأبيض تتعرض حالياً لهجومٍ مكثفٍ ويومي، مشيراً إلى أنه سمع اليوم بأذنيه أكثر من أربع قذائف استهدفت المدينة، وهو ما أدى بدوره إلى شللٍ تام في كافة الخدمات؛ فالكهرباء مقطوعة، والمياه شبه معدومة، والوقود غير متوفر، مما تسبب في أزمةٍ خانقة في المواصلات والخبز، وفاقم الغلاء الفاحش في الأسعار. كل ذلك انعكس سلباً على إنسان المدينة، الذي يعاني في الحصول على أدنى الخدمات، مؤكداً أن الاستهداف الممنهج من قِبل المليشيا بواسطة المسيرات قد تسبب في شللٍ كامل للمدينة، محذراً من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تفاقم الأزمات بصورةٍ أكبر، “ربنا يلطف”، على حد تعبيره.
وفيما يخص الموقف العسكري للجيش، يرى عيسى أن الأبيض مدينةٌ استراتيجيةٌ مهمة، تمتلك نقاط تأمينٍ حاكمة هي “بارا، وكازقيل، وأبو قعود” والمناطق المحيطة بها، إلا أنه يأسف لانسحاب الجيش من هذه المناطق وسيطرة قوات الدعم السريع عليها. ويضيف عيسى أن المدينة حالياً محاصرة من الاتجاهات الشمالية والغربية والجنوبية الغربية بحشودٍ ضخمة للدعم السريع، مما جعل المعركة البرية تبدو وشيكةً ومحتملة الوقوع في أي وقت، معتبراً أن عدم تحرك الجيش قد عرض المدينة لهذا الاستهداف الكثيف.
أما على الصعيد الإنساني، فيصف عيسى الوضع بـ “الكارثي”؛ حيث توجد صعوبة بالغة في الحصول على المعونات والخدمات للنازحين الذين يتجاوز عددهم الـ 700 ألف نسمة. يعاني هؤلاء من العطش والمرض، والخدمات المقدمة لهم شحيحة للغاية، مما أدى إلى حالات وفاة بسبب المرض وعدم القدرة على العلاج، بالإضافة إلى الإهمال وتدني مستوى المعيشة الذي وصل إلى حد اقتيات البعض على وجبة واحدة فقط. ويختتم عيسى شهادته بالتأكيد على أن الدولة في الأبيض لا تفرض وجودها، ولا تقوم بتقديم أي خدماتٍ للسكان أو النازحين.
نداء أخير.. قبل أن تغرق “عروس الرمال”
أمام هذا المشهد المأساوي، يبرز هذا التقرير كـ “نداء استغاثة” مفتوح للضمير الإنساني؛ لمناشدة كافة المنظمات الإغاثية الدولية والمحلية لكسر طوق العزلة وتسيير قوافل إنقاذٍ عاجلة. إن ما تعيشه الأبيض اليوم يضع القيادة ومؤسسات الدولة أمام مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية لفك الحصار وتأمين مسارات الحياة، قبل أن تتحول المدينة التي كانت يوماً تضج بالحياة إلى مقبرةٍ منسيةٍ تحت ركام الحرب.




