نساء السودان بين إعالة الأسر وصعوبة الحفاظ على أعمالهن

الخرطوم- نبض الساعة
منذ اندلاع الحرب في الـ15 من أبريل 2023، لم تعد الصعوبات التي أحاطت بعمل النساء قبل ذلك منفصلة عن واقعهن الجديد. فقد امتدت آثارها إلى الأسواق وطرق الإمداد والتنقل والقدرة على الوصول إلى رأس المال والزبائن، ورفعت كلفة ممارسة التجارة في وقت تراجعت القدرة الشرائية واتسعت احتياجات الأسر. وفي بعض المناطق، دفعت الحرب النساء إلى تقليص حجم تجارتهن، أو نقلها إلى مواقع أكثر أمناً، أو الاعتماد على أعمال منزلية ومحاولات متفرقة للحفاظ على الدخل. ومع اتساع النزوح، فقدت بعضهن الزبائن وشبكات التوريد والمواقع التي اعتدن العمل فيها، واضطررن إلى البدء من جديد في بيئات غير مستقرة.
ولا يقف التأثير عند حدود الحرب وحدها، ففي بعض المدن، تتقاطع التداعيات الأمنية والاقتصادية مع قرارات إدارية تتعلق بتنظيم الأسواق أو إزالة بعض المواقع أو نقل الأنشطة منها، فتنعكس مباشرة على النساء اللواتي يعتمدن على المكان والزبائن المنتظمين في تأمين رزقهن. وقد يصبح فقدان محل صغير، في هذه الظروف، أكثر من خسارة تجارية، فهو قد يعني فقدان مصدر الدخل الوحيد للأسرة.
ولا يقتصر النظر إلى الاقتصاد النسوي خلال الحرب على قياس حجم التجارة، بل يتطلب فهم المكان الذي تمارس فيه النساء نشاطهن، والظروف التي تحيط به، والقرارات التي يمكن أن تدعمه أو تزيد من صعوبة استمراره.
عبء مزدوج
أثقلت الحرب بصورة خاصة كاهل النساء اللواتي يعتمدن على التجارة الصغيرة لتأمين دخل أسرهن، فقد أوضحت دراسة “أثر الحرب على التجارة والأسواق في دارفور… الدمار والصمود والتكيف”، التي أعدها “برنامج دعم الرعي والزراعة في الأزمات المتكررة والممتدة” أن النساء يشكلن حضوراً أساسياً في تجارة التجزئة، لا سيما بيع الحبوب والخضروات والفاكهة، وتقدر حصتهن بنحو 90 في المئة من تجار التجزئة في أسواق نيالا وزالنجي والجنينة. كذلك تهيمن النساء على تجارة الحبوب في أسواق معسكري أبو شوك وزمزم. وأدى القصف والنهب والنزوح وإغلاق الطرق وارتفاع تكاليف النقل إلى تعطيل سلاسل الإمداد وتغيير خريطة الأسواق، ففي زالنجي انتقل التجار من السوق الرئيسة إلى مورين وكراولي، بينما تعرضت أسواق نيالا لقصف متكرر، وأغلقت بعض الأسواق أو تقلص نشاطها.
وتتسق هذه النتائج مع ما ذكره الباحثان فولفغانغ شتويتز وتيلمان بروك، من جامعة هومبولت في برلين، عن العبء المزدوج للنزوح النسائي وسبل العيش المرتبطة بالنوع الاجتماعي في الفاشر بدارفور، بأن النساء النازحات يعملن أكثر من غيرهن، لكنهن أفقر ويواجهن عوائق مؤسسية أمام العمل المنتج والوصول إلى الأسواق والخدمات. وأوضحا أن الحرب لا تسلب النساء مصدر الدخل فقط، بل تدفعهن إلى إعادة تشكيل سبل العيش عبر التجارة الصغيرة والعمل الذاتي، في ظروف أشد خطورة وأقل استقراراً. ويرى الباحثان أن حماية الأسواق وتأمين حركة النساء والسلع ودعم رأس المال والخدمات، تمثل عناصر أساسية لحماية استقلال النساء الاقتصادي وقدرتهن على إعالة أسرهن أثناء الحرب وفي مرحلة التعافي.
وتكشف بيانات الأمم المتحدة أن النساء والفتيات يتحملن جانباً استثنائياً من كلفة الحرب والنزوح في السودان، إذ يشكلن نحو 53 في المئة من النازحين داخلياً، فيما بلغ عددهن نحو 6 ملايين حتى عام 2025. وإلى جانب فقدان السكن والاستقرار، أدى انهيار الأعمال التي تديرها النساء واضطراب سلاسل الإمداد والخسائر المالية إلى تقويض مصادر دخلهن، ودفع كثيرات ممن كن يعتمدن على أنشطة صغيرة أو أعمال مستقلة إلى زيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
تحديات متفاقمة
أفادت الباحثة أسماء عدلان بأن المرأة السودانية في القطاع غير الرسمي تؤدي دوراً اقتصادياً يتجاوز البيع والشراء، إذ تسهم في إعالة الأسر، لكنها تعمل في بيئة تفتقر إلى الحماية القانونية والاجتماعية. وفي حديثها عن سوق مدينة أم درمان، التي أنشئت منذ عهد المهدية 1898 وخصصت فيها أماكن للنساء لبيع المواد الغذائية والعطور التقليدية، أوضحت أن 68 في المئة من العاملات في الأسواق متزوجات ويسهمن في دخل أسرهن ويعملن ما بين 10 و14 ساعة يومياً. وأوردت أن 65 في المئة من العاملات تعرضن لمضايقات أمنية، و58 في المئة واجهن صعوبات في الحصول على التمويل، و45 في المئة لا يملكن تراخيص لممارسة نشاطهن، فيما يتضرر دخل البائعات المتجولات بصورة أوضح. وذكرت أن هذه التحديات تفاقمت بعد الحرب ودمر جزء كبير من سوق أم درمان وتعرضت أجزاء منه للحرق والنهب.
وأشارت الباحثة إلى ما أوردته الأمم المتحدة من أن ارتفاع الأسعار يضغط بصورة أشد على النساء بسبب محدودية ما لديهن من مدخرات وأصول، وأن عدداً من المشروعات متناهية الصغر المملوكة للنساء أغلق بعدما أصبحت تكاليف السلع والنقل تفوق قدرتهن على الاستمرار. وفي الوقت ذاته، أدى انتقال بعض الرجال أو فقدانهم العمل إلى اتساع مسؤولية النساء عن إعالة الأسرة، من دون أن تتوافر لهن دائماً الموارد اللازمة للاضطلاع بهذا الدور.
وأوضحت عدلان أن ذلك يعني أن الخسارة الاقتصادية التي تصيب المرأة لا تبقى داخل حدود مشروعها أو دخلها الشخصي، بل تمتد مباشرة إلى الأمن الغذائي والقدرة على الإنفاق ورعاية أفراد الأسرة. ومن هذه الزاوية، فإن دعم النشاط الاقتصادي للنساء ينبغي أن ينظر إليه على أنه جزء من الاستجابة الإنسانية التي تحافظ على قدرة الأسر والمجتمعات على الاعتماد على ذاتها، وتحد من انتقال النساء من الاستقلال الاقتصادي إلى مزيد من الاحتياج. وقالت، إن الحرب، إضافة إلى التحديات المصاحبة لها، تضخم المشكلات التي ينبغي مواجهتها بتوفير تمويل ميسر وإنشاء أماكن بيع آمنة وتعزيز التعاونيات النسائية والحماية الاجتماعية، بما يحول النشاط غير الرسمي من ملاذ للبقاء إلى مسار أكثر أماناً واستقراراً للنساء.
حملات إزالة
في شرق السودان، نشأت أزمة حول “سوق النسوان” في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، وهو مورد رزق ارتبط لحوالى سبعة عقود بالنساء وحركة السوق في المدينة. نظمت عشرات البائعات في مدينة كسلا وقفة احتجاجية، وأغلقن طريقاً رئيساً، رفضاً لإزالة جزء من السوق، مطالبات بمواقع بديلة قبل فقدان نشاطهن.
وهذه السوق المعروفة أيضاً باسم “سوق السكسك”، هو من الأسواق الشعبية القديمة في كسلا، ويضم مصنوعات السعف والحقائب والمفروشات والأكسسوارات التقليدية، فضلاً عن الفخار والأواني والأعشاب والعطور والبخور والتوابل والأطعمة الشعبية. وتقول العاملات إن هذه الأنشطة توفر دخلاً يومياً لأسر بينها أرامل ونساء يعلن أيتاماً، وإن الموقع الجديد المقترح، في سوق العامرية، لا يضمن حركة الزبائن ذاتها.
وتعود جذور الأزمة إلى إجراءات سبقت احتجاجات 2018، لكن المجلس التشريعي بولاية كسلا كان قد أوقف في عام 2019 تخصيص قطع تجارية فيه بالبيع المباشر، مما يعكس تاريخاً من النزاع حول الأرض وإدارة المساحات. كذلك ورد أنه أزيل جزء من السوق في يناير (كانون الثاني) بعد بيع الموقع، وجرى توزيع مساحات فارغة إلى محال ودكاكين.
وتكتسب القضية حساسية إضافية في ولاية تستضيف نازحين منذ اندلاع الحرب، فيما أصبحت سبل العيش أكثر صعوبة وارتفعت تكاليف المعيشة، مما يجعل فقدان موقع تجاري ثابت كلفة على النساء وأسرهن. لكن محلية كسلا أعلنت في يونيو (حزيران) الماضي أن حملات الإزالة تستهدف معالجة “التعديات البصرية” وفتح الشوارع واسترداد الأراضي والميادين العامة وفق القانون، كذلك تحدثت عن تنظيم الأسواق وتحسينها، مركزة على التنظيم والمظهر الحضري. وبحسب مدير إدارة المخالفات بمحلية كسلا إبراهيم عمر، فإن إجراءات الإزالة تأتي ضمن حملة لتنظيم الأسواق والأحياء وتحسين المظهر، وتبدأ طوعياً قبل اللجوء إلى الإزالة الجبرية عند الضرورة، وفق إنذارات وإجراءات قانونية، وبمشاركة جهات عدلية وأمنية، بما يراه وسيلة لحفظ المواطنين وحركة المرور والمصلحة العامة.
إعادة الاعتبار
ترى المتخصصة الاجتماعية عفاف الأمين أن مستقبل التعافي في السودان سيتحدد، بقدرة المجتمعات المحلية على تحويل الدور الذي تقوم به النساء أثناء الحرب إلى قوة جماعية قادرة على إنتاج الاستقرار بعد انتهائها. فالمرأة، حين تعمل منفردة، تعيل أسرة، لكن حين تعمل النساء عبر شبكات البيع والإنتاج والتعاونيات والأسواق المحلية، فإنهن ينسجن اقتصاداً مجتمعياً يربط الأسرة بالحي، والمنتج بالمستهلك، والدخل بالخدمات الأساسية.
وتقول إن هذا البعد الجماعي يجب أن يكون حاضراً في تصور مرحلة ما بعد الحرب، لأن الأسواق النسائية والنشاطات التي تقودها النساء لا تؤدي وظيفة تجارية فقط، وإنما تحفظ علاقات اجتماعية وشبكات ثقة وتبادل يصعب بناؤها بقرارات إدارية من أعلى. ومن هنا، فإن إعادة الحياة إلى الاقتصاد المحلي تعني أيضاً إعادة الاعتبار إلى التنظيمات النسوية، والمبادرات التعاونية، ومساحات العمل المشتركة، والروابط التي أنشأتها النساء بين الريف والمدينة.
وتضيف الأمين أن الأعوام المقبلة يمكن أن تفتح أمام النساء مساحة من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام، بشرط أن تبنى سياسات التعافي على احتياجات المجتمعات الفعلية، وأن تشرك النساء في تحديد أولويات الأسواق والخدمات ومشروعات إعادة الإعمار. فالمجتمع الذي يستعيد قدرته على الإنتاج لا يبدأ بالضرورة من المشروعات الكبرى، فقد يبدأ من مجموعة نساء تتشارك الخبرة، أو من سوق صغيرة تعيد وصل المنتجين بالمستهلكين، ثم تتسع الدائرة.
وتعتقد الأمين أن القيمة الأبعد لهذا المسار تتمثل في أنه يعيد توزيع القدرة الاقتصادية داخل المجتمع بصورة أكثر توازناً، ويمنح النساء حضوراً أكبر في القرار المحلي، لا كونهن فئة تحتاج إلى الدعم فحسب، بل لأنهن شريكات في صياغة المستقبل.
وتؤكد المتخصصة الاجتماعية أن نجاح التعافي يقاس بمدى استعادة المجتمعات قدرتها على الاعتماد المتبادل، وبمدى تحول العمل النسوي من استجابة للضرورة إلى مؤسسة اجتماعية واقتصادية راسخة، تشارك بفاعلية في بناء السلام والاستقرار، طبقا لاندبندت عربية.




