حوارات

مستشار “البرهان”: الهدنة يجب ألا تتحول إلى غطاء لإعادة تسليح المليشيا

 

الخرطوم- نبض الساعة

أكد مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية، د. أمجد فريد، أن الحكومة لم ترفض مقترح الهدنة الإنسانية الذي طرحته الولايات المتحدة، بل قدمت مقترحات تتعلق بترتيبات التنفيذ والرقابة وانسحاب مليشيات الدعم السريع من المناطق المدنية.

وشدد في مقابلة مع القدس العربي على أن نجاح أي مبادرة يتوقف على قدرتها على حماية المدنيين ومنع إعادة إنتاج الحرب، وعلى احترام سيادة السودان وملكية السودانيين للعملية السياسية

وأوضح موقف الحكومة من جهود الوساطة، ومستقبل الحكم المدني، والعلاقة بين حماية مؤسسات الدولة والتحول الديمقراطي. وفي ما يأتي نص الحوار.

○ بداية، بعث رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان رسالة للرئيس الأمريكي، أعرب فيها عن التزام الحكومة بجهود السلام، هل هذا تغيير في موقف الحكومة من مقترح الهدنة الإنسانية الذي طرحته واشنطن؟ وما أبرز العقبات أمام الاتفاق؟
• الموقف السوداني واضح، ولم يطرأ عليه التحول الذي تحاول بعض الأطراف تصويره. الحكومة لم ترفض الهدنة التي اقترحتها الولايات المتحدة عبر المجموعة الرباعية، بل تعاملت معها بجدية وإيجابية وقدمت مقترحات لترتيبات التنفيذ. نريد هدنة توقف استهداف المدنيين وتفتح الطريق إلى سلام مستدام، لا اتفاقاً يبقي بذور الحرب المقبلة. وتجارب الهدن السابقة، ومنها ما اتفق عليه في منبر جدة، أظهرت أن وقف إطلاق النار من دون ضمانات قد يتيح إعادة الانتشار والتسليح ويزيد الانتهاكات.
○ هل تتعلق التحفظات بانسحاب قوات الدعم السريع أم بآليات الرقابة ومنع الاستغلال العسكري؟
• هذه ليست تحفظات شكلية، بل مقترحات عملية لجعل الهدنة فعالة، وهي مترابطة أمنياً وإنسانياً. نطالب بانسحاب قوات الدعم السريع من الأحياء السكنية والمرافق المدنية وتجميعها في مناطق محددة تحت إشراف ورقابة دولية، بما يتيح حماية المدنيين وعودتهم إلى منازلهم. كما ينبغي معالجة «وجود المقاتلين الأجانب الذين جلبتهم الإمارات عبر شركة Global Security Services Group للقتال إلى جانب الدعم السريع»، إذ ترى الخرطوم أن استمرار وجودهم غير مقبول وأنهم أسهموا في تصاعد الانتهاكات، ومنها ما حدث في الفاشر. ومن دون ذلك قد تتحول الهدنة إلى تثبيت للسيطرة وتقسيم فعلي للبلاد.
○ ما الضمانات المطلوبة لتنفيذ الهدنة؟ وهل تقبل الحكومة بآلية مراقبة مستقلة؟
• لا تعارض الحكومة الرقابة الدولية المستقلة، بل تضمنت المبادرة السودانية ترتيبات للمراقبة الدولية والإقليمية ووقف إطلاق النار وتجميع قوات الدعم السريع وإخراج المرتزقة الأجانب. المطلوب آلية تملك الصلاحيات والقدرات، لا حضوراً رمزياً يكتفي بتسجيل الانتهاكات. وينبغي أن تشمل التحقق من مواقع القوات وحركتها، ومراقبة تدفقات السلاح والمعدات والمقاتلين عبر الحدود، والتحقيق في الخروقات وتحديد المسؤوليات والعواقب. كما يجب ألا تراقب الآلية السلاح داخل السودان وتتجاهل الطائرات ومصادر الإمداد الخارجي.
○ هل ينبغي أن تسبق الهدنة العملية السياسية أم يسير المساران بالتوازي؟
• ينبغي التمييز بين حماية المدنيين ووقف الأعمال العدائية، ومعالجة البنية العسكرية التي أنتجت الحرب، والاتفاق على مستقبل السلطة والحكم. لا ينبغي أن ينتظر إنقاذ المدنيين اكتمال التوافق السياسي، كما لا ينبغي تجميد العمل السياسي إلى حين انتهاء العمليات العسكرية. يمكن أن يسيرا بالتوازي، بشرط أن تكون العملية السياسية الشاملة مستقلة عن الإكراه العسكري. والخطأ هو استخدام الهدنة مدخلاً لإعادة تأهيل مليشيا الدعم السريع سياسياً أو منحه موقعاً في الحكم مكافأةً على العنف. وقد طرحت الحكومة مبادرة سودانية للسلام منذ 2024 وطُورت لاحقاً، وعرض رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس إطارها أمام مجلس الأمن في كانون الأول/ديسمبر 2025.

○ كيف تنظر الحكومة إلى الخماسية بوصفها إطاراً لتيسير الحوار؟
• تنظر الحكومة بإيجابية إلى أي جهد دولي أو إقليمي يحترم سيادة السودان ويعامل السودانيين بوصفهم أصحاب العملية السياسية، لا أطرافاً يُطلب منها التصديق على تسوية تُصنع في الخارج. وتضم الخماسية الاتحاد الأفريقي وإيغاد والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، ولديها إمكانات دبلوماسية ومؤسسية يمكن أن تساعد في تيسير الحوار. وقد استقبلت الحكومة وفدها في الخرطوم وتشاورَت معه. لكن نجاح الوساطة لا يتوقف على عدد المؤسسات المشاركة، بل على دقة تشخيص الأزمة باعتبارها حرباً تغذيها أيضاً تدخلات خارجية.
○ ما تقييم التنسيق بين الخماسية والرباعية، وما تحفظات الحكومة على مشاركة بعض الأطراف؟
• كان الاجتماع التنسيقي المشترك الذي عُقد في 23 أيلول/سبتمبر الماضي، خطوة باتجاه تقليل التشتت الدولي، لكنه لا يعني بالضرورة تحقق التوافق حول تشخيص الأزمة أو وسائل حلها. والخلاف ليس فقط في ترتيب الأولويات، وإنما في مدى استعداد الوسطاء للتعامل مع العوامل الفعلية التي تغذي الحرب. ولدى الحكومة تحفظ جوهري على مشاركة الإمارات في إطار يقدم نفسه باعتباره وسيطاً محايداً، بينما «هناك أدلة موثقة وتحقيقات دولية ومستقلة على دعمها لقوات الدعم السريع». ونرى أن تجاهل هذه المسألة يضعف صدقية الوساطة ويحولها إلى معالجة للأعراض لا للأسباب.
○ كيف يمكن توحيد المبادرات الإقليمية والدولية ومنع تعدد المنابر من إطالة الحرب؟
• ليست المشكلة في تعدد المنابر بحد ذاته، بل في تعدد المرجعيات وتناقض الأهداف، وفي تحول الوساطات أحياناً إلى ساحات للتنافس على النفوذ الدولي بدلاً من إنتاج السلام. وتدعو الحكومة إلى الاتفاق على مبادئ مرجعية تشمل وحدة السودان وسيادته، ورفض الحكومات والجيوش الموازية، وحماية المدنيين، ووقف الدعم العسكري الخارجي، ووجود ترتيبات أمنية قابلة للتحقق، وملكية السودانيين للعملية السياسية. هذه ليست شعارات، بل شروط لعملية قابلة للتنفيذ. فأزمة السودان لا تحتاج إلى مزيد من الطاولات الدبلوماسية بقدر حاجتها إلى إرادة سياسية تجعل ما يُتفق عليه قابلاً للتطبيق على الأرض.
○ كيف تصفون العلاقة مع الاتحاد الأفريقي في ظل استمرار تعليق مشاركة السودان؟
• السودان دولة مؤسسة في منظمة الوحدة الأفريقية وله إسهام تاريخي في قضايا التحرر الأفريقي وبناء مؤسسات العمل القاري؛ لذلك لا ينبغي اختزال علاقته بالاتحاد الأفريقي في قرار تعليق المشاركة الذي اتخذ في سياق الأزمة السياسية في تشرين الأول/أكتوبر 2021. وتقر الحكومة بمبادئ الاتحاد المتعلقة بالنظام الدستوري والانتقال المدني، وأعلنت التزامها بها، لكنها ترى أن البلاد تواجه اليوم تهديداً لوحدتها ومؤسساتها. ومن ثم ينبغي أن تتعامل المقاربة الأفريقية مع واقع الحرب، لا أن تكتفي بإجراءات سياسية لا تستوعب التطورات على الأرض.
○ هل تفضل الحكومة قيادة الاتحاد الأفريقي للمسار السياسي أم مبادرة سودانية مستقلة؟
• لا ترى الحكومة تعارضاً ضرورياً بين مبادرة سودانية مستقلة ودعم الاتحاد الأفريقي، إذا كانت العملية سودانية القيادة والملكية والقرار وتحظى في الوقت نفسه بدعم إقليمي ودولي، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة. فالسيادة لا تعني رفض التعاون الدولي، لكن الاعتراض يتعلق بتجارب تعاملت مع الأزمة كما لو أن حلها يمكن تصنيعه خارج السودان ثم استيراده إليه، متجاهلة الواقع ومؤسسات الدولة وتوازنات القوى. وتقول الحكومة إنها تريد من العالم أن يساعد السودانيين على بناء السودان الذي يختارونه، لا أن يختار العالم لهم الدولة التي ينبغي أن يعيشوا فيها.
○ ما الدور الذي يمكن أن تؤديه دول الجوار في إنهاء الحرب؟
• لدول الجوار مصلحة مباشرة في استقرار السودان، نظراً إلى ما تتركه الحرب من آثار أمنية وإنسانية واقتصادية عابرة للحدود. ويمكنها دعم وقف القتال وتسهيل وصول المساعدات ومنع انتقال السلاح والمقاتلين، والمساهمة في تهيئة الظروف للحوار. لكن الدور الإقليمي ينبغي أن يساعد على وقف التدخلات التي تغذي الحرب، وألا يتحول إلى ساحة لتنافس المصالح على حساب السودانيين.
○ ما الخطوات الدبلوماسية والقانونية المتخذة لمواجهة الدعم العسكري الخارجي؟
• تحرك السودان عبر مسارات متعددة، بينها مخاطبة مجلس الأمن والمنظمات الدولية، وتقديم الأدلة على شبكات إمداد قوات الدعم السريع، وملاحقة المسؤوليات القانونية عن التدخلات الخارجية. وقد لجأ السودان إلى محكمة العدل الدولية في مواجهة الإمارات استناداً إلى اتفاقية منع الإبادة الجماعية. ولم تفصل المحكمة في موضوع الاتهامات، بل انتهت في أيار/مايو 2025 إلى عدم اختصاصها بنظر الدعوى بسبب التحفظ الإماراتي على مواد الاتفاقية ذات الصلة بالتحكيم؛ ولذلك لا يعني القرار حكماً في موضوع الاتهامات. كما تشير الحكومة إلى تقارير وتحقيقات مستقلة بشأن شبكات نقل السلاح وتجنيد المرتزقة، ومنها ما وثقته هيومن رايتس ووتش عن دور شركة Global Security Services Group (GSSG)، ومقرها أبو ظبي، وتقول إن لها صلات بدوائر نافذة في الإمارات. وتؤكد أن المسارات الدبلوماسية والقانونية يجب أن تستند إلى الأدلة والتوثيق.
○ أين وصلت الاستعدادات للحوار السوداني – السوداني، وهل حُدد موعد لانطلاقه؟
• إن المبادرة السودانية للسلام تشكل إطاراً يمكن البناء عليه، وإن الحوار ينبغي أن يكون سودانياً شاملاً ويعالج جذور الأزمة، لا أن يقتصر على توزيع السلطة بين حاملي السلاح. ويرتبط تهيئة الحوار بمعالجة تحديات الحرب، وفي مقدمتها استعادة سيادة الدولة وإنهاء تعدد الجيوش وإعادة بناء المؤسسات وتهيئة الظروف لعودة الحياة السياسية الطبيعية. ولا ينبغي أن يكون الحوار مفروضاً بالإكراه العسكري أو بترتيبات تُصنع خارج السودان.
○ ما الرسالة الأساسية التي تريد الحكومة إيصالها بشأن الهدنة والسلام؟
• نحن لا نقاتل لأن الحرب غايتنا، بل لأن حماية المواطنين والدولة مسؤولية لا يجوز التخلي عنها. ولا نسعى إلى السلام باعتباره مجرد توقف للقتال، بل نهاية للظروف التي جعلت الحرب ممكنة، وتأسيساً لنظام سياسي لا يستطيع فيه أحد أن ينتزع بالسلاح ما ينبغي أن يقرره الشعب بإرادته الحرة. الهدنة التي لا تحمي المدنيين ولا تمنع إعادة التسليح لا تؤسس سلاماً حقيقياً، بل قد تؤجل الحرب المقبلة.
○ ما تصور الحكومة لشكل الحكم بعد الحرب ودور مجلس السيادة والمؤسسات التنفيذية؟
• الغاية هي الوصول إلى نظام سياسي يستطيع فيه السودانيون اختيار حكامهم بإرادتهم الحرة. لكن ذلك يتطلب استعادة سيادة الدولة وإنهاء تعدد الجيوش وإعادة بناء المؤسسات وتهيئة الظروف للحياة السياسية الطبيعية. ينبغي النظر إلى مجلس السيادة والحكومة التنفيذية باعتبارهما مؤسستين تعملان في ظروف استثنائية، لا نموذجاً دائماً للحكم. ويجب أن يحدد التوافق الدستوري المقبل صلاحيات هذه المؤسسات ومددها والعلاقة بينها، وأن ينهي الترتيبات الاستثنائية بصورة مؤسسية.
○ هل تلتزم الحكومة بجدول زمني للانتقال والانتخابات، وما شروط نزاهتها؟
• لا يمكن فصل أي جدول زمني عن الظروف التي أنتجتها الحرب والتحديات اللازمة لاستعادة الدولة ومؤسساتها. الانتخابات ذات المعنى تحتاج إلى بيئة آمنة، ومؤسسات دستورية واضحة، وحياة سياسية طبيعية، وقدرة للمواطنين على الاختيار من دون إكراه. وينبغي أن يحدد التوافق الدستوري صلاحيات المؤسسات ومددها والعلاقة بينها، بما يتيح الانتقال إلى حكم مدني مستقر بدلاً من إبقاء ترتيبات استثنائية بلا أفق.
○ كيف توفقون بين الحفاظ على مؤسسات الدولة وإعادة بناء السلطة على أسس مدنية ودستورية؟
• الحفاظ على الدولة لا يعني الحفاظ على شكل السلطة القائم. وترى الحكومة أن خطاب قوات الدعم السريع وحلفائها السياسيين يرفع شعارات الديمقراطية والحكم المدني، بينما تتقاطع مواقفهم، وإن اختلفت الوسائل والمسؤوليات، مع تقويض المؤسسات التي لا يمكن أن تقوم الديمقراطية من دونها. والمطلوب ليس الاختيار بين الدولة والديمقراطية، بل الحفاظ على الدولة لتعمل الديمقراطية داخلها، وبناء نظام يمنع احتكار السلطة. ولا ينبغي الخلط بين استمرارية المؤسسات واستمرارية الأشخاص؛ إذ يمكن تغيير الحكومات والدساتير وإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية وإخضاعها للسلطة المدنية الدستورية بدون هدم الشخصية القانونية للدولة. والغاية الانتقال من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات، ومن شرعية القوة إلى قوة الشرعية، ومن التنافس المسلح إلى التداول السلمي.
○ هل لا يزال الحسم العسكري هدفاً أساسياً أم أصبحت التسوية السياسية المسار الرئيسي؟
• السؤال يضع الحسم العسكري والتسوية السياسية في ثنائية غير دقيقة. فالحسم العسكري ليس غاية سياسية، بل خيار اضطرار، الحرب فُرضت بمحاولة قوات الدعم السريع انتزاع سلطة الدولة بقوة السلاح في 15 نيسان/أبريل 2023. وتفرق الحكومة بين إنهاء الحرب وإنهاء الشروط التي تسمح بتكرارها؛ فلا تسوية مستدامة مع جيش موازٍ يحتفظ بسلاحه وقيادته المستقلة وارتباطاته الخارجية. أن اجتياح الدعم السريع للفاشر في تشرين الأول/اكتوبر 2025 أدى، وفق ما وثقه مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إلى مقتل أكثر من ستة آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى، فضلاً عن انتهاكات واسعة. وفي المقابل، فإن صمود القوات المسلحة في الأبيض وصد محاولات السيطرة عليها جنب المدينة مصيراً مماثلاً، رغم الحصار والهجمات. أن تجاهل الفارق بين مؤسسة الدولة العسكرية و«ميليشيا» تنازعها السلطة خطأ سياسي وأخلاقي. ولا يعني التفاوض شرعنة نتائج العنف؛ فمستقبل السلطة ينبغي أن يحدده حوار سوداني شامل وترتيبات دستورية شرعية، لا نتائج المعارك وحدها.
○ ما تصوركم لمستقبل قوات الدعم السريع ومصير السلاح والقيادات وترتيبات الدمج والتسريح؟
• تربط الحكومة أي تسوية بمعالجة وجود التشكيلات المسلحة الموازية واستعادة وحدة القيادة والسيطرة وحصر السلاح. لا يمكن بناء دولة مستقرة مع استمرار قوى مسلحة خارج سلطة القانون قادرة على فرض الوقائع بالقوة. وينبغي أن تتم الترتيبات الأمنية وفق مراحل واضحة وضمانات تمنع الفراغ الأمني أو إعادة تشكيل القوات خارج مؤسسات الدولة. كما أن معالجة هذه المسألة لا تنفصل عن وقف التمويل الخارجي واقتصاد الحرب الذي يجعل استمرار القتال مربحاً لبعض الفاعلين.
○ ما الضمانات التي تمنع تجدد الحرب وتضمن تنفيذ الترتيبات الأمنية؟
• أهم ضمانة هي معالجة الأسباب المؤسسية التي أدت إلى اندلاع الحرب، لا الاكتفاء بتنظيم وقف مؤقت للاشتباكات. يجب أن تقوم الترتيبات على وحدة القيادة والسيطرة وحصر السلاح ومنع التشكيلات الموازية وإخضاع القوات لقواعد دستورية واضحة، مع تطوير الرقابة المدنية والمساءلة. وفي المناطق التي تضم حركات مسلحة متعددة، ينبغي تنفيذ الترتيبات تدريجياً وبما يمنع الفراغ الأمني. كما يجب معالجة اقتصاد الحرب وشبكات التمويل والتهريب، وتوفير ضمانات إقليمية ودولية لوقف الدعم الخارجي. فالحرب تتجدد عندما يبقى السلاح خارج سلطة القانون، وتظل الأرباح الناتجة عن الحرب أكبر من الحوافز التي يقدمها السلام.
○ ما الإجراءات المتخذة لحماية المدنيين والتحقيق في الانتهاكات؟ وهل تقبلون بآلية مستقلة؟
• حماية المدنيين من أسباب وجود الدولة وشرعيتها. تقول الحكومة إنها اتخذت إجراءات للتحقيق عبر اللجنة الوطنية للتحقيق في جرائم وانتهاكات القانون الوطني والقانون الدولي الإنساني، والنيابة العامة والمؤسسات العدلية. ووفق تقرير قُدم إلى مجلس حقوق الإنسان في حزيران/يونيو 2026، أعلنت النائب العام تسجيل نحو 149 ألف دعوى جنائية، بينها 385 دعوى في مواجهة أفراد من قوات نظامية رُفعت عنهم الحصانة، إلى جانب إحالة آلاف القضايا إلى المحاكم. وتؤكد الحكومة أن ذلك لا يعني أن جميع القضايا انتهت إلى أحكام إدانة، وأن المصداقية تتطلب الشفافية واستقلال القضاء وضمان حقوق المتهمين والضحايا. أما التعاون مع الآليات الدولية فينبغي أن يقوم على المهنية والاختصاص والتكامل مع العدالة الوطنية.
○ كيف ستتعاملون مع العدالة الانتقالية وجبر الضرر وعودة النازحين واللاجئين؟
• العدالة الانتقالية لا تختزل في المحاكمات وحدها، على أهميتها. يحتاج المجتمع إلى الاعتراف بمعاناة الضحايا، وكشف مصير المفقودين، وجبر الضرر، واستعادة الممتلكات، ومعالجة آثار العنف الجنسي والتهجير القسري، وضمان عدم التكرار. ويجب أن تقوم العملية على حقوق الضحايا لا على حسابات التسويات السياسية. أما العودة فينبغي أن تكون طوعية وآمنة وكريمة، وأن تشمل استعادة المساكن والأراضي والحقوق والخدمات الأساسية وضمان عدم التعرض للعنف أو الانتقام أو التمييز. ووفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، تجاوز عدد العائدين خمسة ملايين شخص بحلول آب/أغسطس 2026.
○ ما خطط تأمين المساعدات وإعادة تشغيل المستشفيات والخدمات؟
• ينبغي أن تتطور الاستجابة الإنسانية من إدارة الطوارئ إلى استعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية. الحكومة عملت على تسهيل وصول القوافل والتعاون مع المنظمات الدولية في المناطق التي يمكن الوصول إليها، لكن العمليات العسكرية واستهداف طرق الإمداد والمنشآت المدنية تفرض تحديات كبيرة. والمطلوب توسيع الوصول الإنساني الآمن، وتأهيل المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، وإعادة الكهرباء والمياه، وتوفير اللقاحات والأدوية، ودعم المجتمعات المضيفة وإعادة فتح المدارس. كما يجب حماية العاملين ومنع الاستيلاء على المساعدات أو استخدامها للابتزاز العسكري، وألا يصبح العمل الإنساني رهينة للتفاوض السياسي.
○ هل لدى الحكومة خطة لمواجهة تدهور المعيشة ونقص الغذاء والخدمات؟
• الحرب لم تدمر المنشآت فحسب، بل أصابت أساس الحياة الاقتصادية، أي الأمن الذي يسمح بالإنتاج والتبادل والعمل. تعطلت المصانع والمزارع والأسواق وسلاسل الإمداد، وفقد ملايين السودانيين مصادر دخلهم. إن موازنة 2026 وضعت إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات ضمن الأولويات. لكن المعالجة المستدامة تحتاج إلى استعادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وتأهيل الطاقة والنقل، ودعم المشروعات الصغيرة وتمويل المنتجين وتحسين إدارة الموارد، مع إعطاء أولوية للمناطق المتضررة والمجتمعات المضيفة للنازحين.
○ كيف تضمنون شفافية إدارة عائدات الذهب والموارد الطبيعية والحد من التهريب؟
• الذهب مثال واضح على العلاقة المعقدة بين الاقتصاد والسيادة والأمن. فالسودان يمتلك موارد كبيرة، لكن ضعف الحوكمة والتهريب وشبكات التجارة غير الرسمية حولت جانبا من هذه الثروة إلى مصدر لاستنزاف الاقتصاد، وفي بعض الحالات إلى وسيلة لتمويل شبكات الصراع.
وقد أعلنت الحكومة ترتيبات لتنظيم صادرات الذهب والحد من تهريبه، لكن الاختبار الحقيقي لأي سياسة سيكون في نتائجها القابلة للقياس.
وأرى ضرورة نشر بيانات دورية للإنتاج والصادرات والإيرادات، وإخضاع الشركات والجهات العاملة في القطاع لقواعد الإفصاح والمراجعة، وتوجيه العائدات إلى الخدمات العامة وإعادة الإعمار. كما ينبغي التعاون دوليا لمكافحة غسل الذهب وعائداته غير المشروعة، بما في ذلك شبكات التجارة الخارجية التي تستفيد من غياب الشفافية. فالمشكلة ليست أن السودان بلد فقير، بل أن جانبا من ثرواته ظل عاجزا عن التحول إلى رفاه لمواطنيه، بينما وجد طريقه إلى شبكات المصالح والحرب.
○ هل توجد تقديرات لتكلفة إعادة الإعمار، وما مصادر التمويل وضمانات المستثمرين والمغتربين؟
• هناك تقديرات متفاوتة للخسائر، بينها أرقام تصل إلى مئات مليارات الدولارات، لكن ينبغي التمييز بين قيمة الأصول المدمرة والخسائر الاقتصادية المتراكمة والكلفة الفعلية لإعادة البناء وفق أولويات قابلة للتنفيذ. وتعمل جهات حكومية على تقييم الأضرار بالتعاون مع مؤسسات دولية، بينها البنك الدولي والأمم المتحدة. ولا ينبغي أن يعتمد التمويل على المساعدات وحدها، بل على الموارد الوطنية وإصلاح المالية العامة والاستثمار الخاص والشراكات التنموية والتمويل الميسر ومساهمات السودانيين بالخارج. ويتطلب اجتذاب المستثمرين والمغتربين حماية الملكية واستقرار القواعد القانونية والضريبية واستقلال القضاء وشفافية العقود وتسهيل الإجراءات.
○ ما التنازلات السياسية الممكنة لتسريع إنهاء الحرب، وما الخطوط الحمراء؟
• هناك مساحة واسعة للتفاوض حول الحلول السياسية في السودان. يمكن للسودانيين أن يتوافقوا على شكل الحكم، وتوزيع السلطات، وطبيعة المرحلة الانتقالية، وضمانات المشاركة السياسية، والإصلاحات الدستورية والمؤسسية، بل وعلى إعادة تشكيل المؤسسات السياسية نفسها في إطار تسوية وطنية شاملة. كل هذه موضوعات مشروعة للنقاش والتفاوض. لكن لا يجوز أن تتحول المفاوضات إلى وسيلة لإضفاء المشروعية على الاستيلاء المسلح على المدن، أو ارتكاب الإبادة الجماعية، وأن تصبح سلما إلى مكافأة القيادات المسؤولة عن الجرائم الجسيمة بمنحها سلطة سياسية، أو إلى الاعتراف بوجود جيش موازٍ ودولة داخل الدولة. كما لا يمكن أن تشمل أي تسوية حصانة من المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. يمكن التفاوض حول السلطة، لكن لا يمكن التفاوض حول حق السودانيين في أن تكون لهم دولة واحدة وقانون واحد، وألا يكون قتل المدنيين طريقا إلى الحكم. هذه ليست خطوطا حمراء لحماية أشخاص أو مواقع سياسية، بل لحماية حق المجتمع في ألا تتكرر المأساة.
○ ما الخطوة العملية التالية في مسار الهدنة أو الحوار، وما الإطار الزمني المتوقع؟
• الخطوة العملية هي الانتقال من المبادئ العامة إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ: ضمانات لحماية المدنيين، وانسحاب القوات من المناطق المدنية، وآليات للتحقق من وقف إطلاق النار ومنع إعادة التسليح، ومعالجة مصادر الإمداد الخارجي. وقد تضمنت رسالة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إلى الرئيس الأمريكي دعوة إلى مشاورات مشتركة عاجلة بمشاركة المملكة العربية السعودية للاتفاق على ترتيبات عملية للهدنة المقترحة. أما الحوار السياسي فينبغي أن يسير بالتوازي، على أساس سوداني شامل.
○ إذا تعثرت المبادرة الأمريكية، فما البديل؟
• ينبغي ألا يرتبط مصير حماية المدنيين بمبادرة واحدة أو بمنبر واحد. الحكومة تطرح مبادرة سودانية للسلام يمكن أن تشكل إطاراً لمعالجة وقف القتال وتجميع قوات الدعم السريع ونزع سلاحها ثم الانتقال إلى حوار سوداني شامل. ويمكن للجهود الإقليمية والدولية أن تساعد في تيسير هذا المسار، شرط احترام السيادة السودانية ومعالجة العوامل التي تغذي الحرب وضمان التنفيذ. ولا تكمن المشكلة في نقص المبادرات بقدر ما تكمن في الإرادة السياسية وآليات التطبيق.
○ لماذا استمرت الحرب رغم تعدد المبادرات والاتفاقات والبيانات الدولية؟
• استمرار الحرب يرتبط، بوجود عوامل لم تعالجها الاتفاقات السابقة: غياب وسائل تنفيذ التعهدات، وبقاء السلاح خارج سلطة الدولة، واستمرار مصادر الدعم الخارجي، واقتصاد الحرب، ومحاولات التعامل مع الأزمة بوصفها تنافساً تقليدياً على السلطة بدلاً من معالجة البنية العسكرية التي أنتجتها. لذلك فإن وقف القتال وحده لا يكفي؛ لا بد من ضمانات تحمي المدنيين، وتمنع إعادة التسليح، وتعيد السلطة إلى المجتمع، وتعالج جذور الصراع حتى لا تتحول الهدنة إلى استراحة قبل جولة جديدة.
○ ما رسالتكم إلى السودانيين الذين أنهكتهم الحرب وفقدوا الثقة؟
• فقدان الثقة ليس موقفاً ينبغي لوم السودانيين عليه، بل نتيجة مفهومة لما تعرضوا له من خذلان ومعاناة. دفع الشعب ثمناً هائلاً من الأرواح والممتلكات وسنوات العمر وأحلام الأجيال. ولا يحق لأي سياسي أو مسؤول أن يطلب منهم مزيداً من الصبر من دون عمل ملموس يخفف معاناتهم. وفي المقابل، أظهرت الحرب قدرة المجتمع على التضامن؛ من تقاسم الغذاء إلى عمل الأطباء والمتطوعين ومساندة الأسر النازحة. نريد سلاماً يعيد الطفل إلى مدرسته، والمزارع إلى أرضه، والطبيب إلى مستشفاه، والأسرة إلى منزلها، والسياسة إلى المجال المدني، والسلاح إلى مؤسسات الدولة الخاضعة للقانون. السودانيون يستحقون أكثر من توقف الحرب؛ يستحقون وطناً لا تصبح فيه الحرب وسيلة للتفاوض على السلطة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى