“الفاشر” و“بارا”.. مدينتان في قبضة الرعب والإبادة

تقرير- نبص الساعة
بعيون دامعة وقلب منفطر، تنظر كلتوم إسحق إلى السماء، وهي تجلس تحت ظل شجرة، تتأمل الفراغ الذي تركه رحيل أحبتها. فقدت كل شيء: أبناءها، زوجها، عائلتها بأكملها. لم يبق لها سوى ذكريات مؤلمة وحزن لا يفارقها.
هربًا من جحيم الحرب في الفاشر، سارت كلتوم مع أسرتها نحو مدينة طويلة، غرب الفاشر، لكن لعنة الرصاص كانت لها بالمرصاد.
أثناء رحلتهم، تعرضوا لهجوم عنيف من بعض عناصر الدعم السريع الذين أطلقوا النار على ابنيها دون أن يرتجف لهم جفن أو تأخذهم بهما رأفة، رغم صرخات الاستغاثة التي أطلقتها بأن لا يقتلوهم. ولكن دون جدوى.
وتقول كلتوم: إن جنودا من الدعم السريع أطلقوا النار على ابنيها لحظة مغادرتها مدينة الفاشر بعد سقوطها في يد الدعم السريع، بتهمة الانتماء للجيش و(القوات المشتركة). وتضيف: “فقدت زوجي في مدينة الفاشر قبل ثلاثة أشهر بسبب قصف مدفعي استهدف مخيم أبو شوك الذي كنا فيه”. وتابعت: “بعد أن فقدت زوجي وأبنائي، كيف سأستمر في الحياة، كيف سأعيش من دونه”.
الطريق إلى طويلة.. مخاطر تتربص بالفارين
تجسد معاناة كلثوم واقعًا مريرًا تعيشه آلاف الأسر التي فقدت أحباءها في رحلة النزوح من الفاشر إلى طويلة، عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في أواخر أكتوبر 2025. كما تعكس قصتها المأساوية الواقع الأليم الذي عاشه سكان الفاشر، لأكثر من عامين، حيث عانوا من حصار خانق وانتهاكات جسيمة.
وتقول رفقة سليمان في حديثها طبقا لـ(التغيير): “فقدت والدي في رحلة النزوح بعد أن غادرنا مدينة الفاشر بصعوبة، ودُفن في الطريق قبل وصولنا إلى منطقة طويلة”. وأضافت أن مجموعات مسلحة أوقفت ابن خالها محمد عثمان، وطلبت فدية بقيمة مليار جنيه (نحو 300 دولار) لإطلاق سراحه. وأوضحت أنهم عجزوا عن دفع هذا المبلغ بعد أن خرجوا من الفاشر بالملابس التي كانوا يرتدونها فقط، ولا يزال مصير ابن خالها محمد مجهولًا.
وأشارت رفقة إلى أنها تعرضت لمصاعب جمّة من قبل قوات الدعم السريع، حيث خضعت هي ومجموعة من النساء لتفتيش دقيق شمل حتى المناطق الحساسة، وتعرض بعض النساء للاغتصاب والعنف الجنسي.
اغتصاب وإطلاق نار
تلك الرواية يؤكدها الناطق باسم النازحين واللاجئين في إقليم دارفور آدم رجال، حيث ذكر في حديثه لـ(التغيير): أن النساء اللاتي وصلن إلى منطقة طويلة تعرضن لعنف جنسي واغتصاب، وتفتيش دقيق في المناطق الحساسة.
وقال رجال إن نحو 500 شخصًا أدخلوا إلى مستشفى طويلة، جزء منهم مصاب بأعيرة نارية وآخرون تعرضوا لعنف جنسي. وأضاف: إن الناجين من الفاشر يحتاجون إلى دعم نفسي عاجل لما شاهدوه من فظائع وقتل وتنكيل.
وأكد أن مليشيا الدعم السريع أطلقت الرصاص الحي على الفارين من مدينة الفاشر. وأوضح أن النازحين في طويلة يحتاجون إلى الغذاء والدواء والكساء ومياه الشرب النظيفة والصرف الصحي، لأن آلاف النازحين يقضون حاجاتهم في العراء، مما يؤدي إلى انتشار الأمراض.
طويلة لازالت تستغيث
في السياق ذاته، أكد المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان، عدنان حزام، أن اللجنة تركز جهودها على آلاف النازحين الوافدين إلى منطقة طويلة، الذين يعيشون أوضاعًا إنسانية بالغة السوء.
وقال عدنان “تفتقر المنطقة لأبسط مقومات الحياة، بما في ذلك مياه الشرب النظيفة ومواد الإيواء”.
وأوضح أن نزوح سكان الفاشر ليس وليد الأيام الماضية، بل امتد لأشهر طويلة بحثًا عن الأمان والمأوى.
وأضاف: “تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتعاون مع شركائها من الهلال الأحمر السوداني والمنظمات العاملة في طويلة، على التخفيف من المعاناة والاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة”.
وأشار إلى أن تزايد تدفق آلاف الأسر إلى طويلة ألقى بعبء إضافي على المنظمات الإنسانية، خاصة فيما يتعلق بتوفير المأوى، حيث يضطر المواطنون للنوم في العراء.
ولفت عدنان إلى أن الأحداث في الفاشر وكردفان أثرت بشكل كبير على الوضع الإنساني في السودان، وأن منطقة طويلة تعاني من نقص حاد في الخدمات الأساسية. وشدد على أن الصليب الأحمر يحشد جهوده للاستجابة العاجلة لاحتياجات النازحين، مع التركيز على توفير الحماية لهم في ظل هذه الظروف الصعبة.




